محمد كرد علي

111

خطط الشام

ملكه أو أن يكون بعضه ملكه ، والآخر ملك جهة الوقف على سبيل التابعية للأرض بعد أن يؤدي إلى المتكلم على الوقف مقدارا معجلا يسمى أيضا خدمة ، ويتعهد بمقدار مؤجل يؤدى مسانهة يسمى أيضا أجرة أو دينا مؤجلا - هذا ملخص ما نص عليه المتفقهة المتأخرون . مصائب الأوقاف : إن غلو الواقفين بالتهافت على الوقف ، واتخاذ الظلمة المتجرين بالدين الوقف دريئة لصيانة أموالهم المغصوبة من المصادرة ، وتحريج أئمة الحرج الذين سماهم بذلك الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وهم المتفقهة المتنطعون ، وتشديدهم على الناس أو تضييقهم ما وسع اللّه تعالى على عباده ، وتساهل متفقهة السوء بابتداع حيل الأوقاف لإفعام جيوبهم ، وإشباع بطونهم النهمة التي لا تشبع بالقليل لأنهم يأكلون بسبعة أمعاء - كل ذلك كان من أعظم البواعث على إضاعة الأوقاف الإسلامية في الشام ، لأن إغراق الأسلاف المتقدمين بالتهافت على الوقف ، ضيق على الذين يلونهم من الأخلاف المتأخرين سعة الأرض الحرة بالحبس عن التصرف بيعا أو ابتياعا أو مقايضة أو مقاسمة إلى آخر ما هنالك من ضروب التصرف المدني . على حين مبنى الشرائع الإلهية كما قال ابن القيم على الحكم والمصالح ، وكلها رحمة وحكمة ، ومصلحة وعدل ، وكل قضية خرجت عن الرحمة إلى النقمة ، وعن الحكمة إلى العبث ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن العدل إلى الظلم ، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل . وأرى أن كل ما كان كذلك فهو من الشرع المبدّل . أضاع هؤلاء الجامدون حكمة الوقف ومصلحته ، وحالوا دون نمو ريع العقارات الموقوفة كحرصهم على شرط الواقف وصفته ، ولو اقتضت منفعة الوقف التغيير والتبديل . وقد نجم عن التهافت على الوقف غلو في الدين أو اتجار به ، وعن تشديد المتفقهة على الناس ابتداع الحيل التي أودت بالأوقاف ، فطفق الناس يتملكون العقارات الموقوفة تملكا محضا ، وإن ظلت عليه شية من مسحة الوقف باسم الحكر أو القيمة أو القميص ونحوها من الحيل الكردارية التي جرأت الظلمة فيما بعد على اختلاس المساجد والمدارس والمقابر مباشرة