محمد كرد علي

105

خطط الشام

الفقير والزّمن والعاجز عن الكسب ، قد خفف ولا شك من شرور الفاقة بعض الشيء ، وإن كان فيه من جهة أخرى تحبيب التوكل والتواكل إلى الناس . ولم نر في ديارنا ، وتحصيل الرزق فيها أهون منه في أوروبا مثلا ، ما نسمع به من ضروب الشقاء الذي يسوق هناك إلى الانتحار وإلى ارتكاب الفظائع . وبعض الأمم المتمدنة اليوم تفكر في قتل العجائز لقلة فائدتهن ، والإبقاء على الكلاب وهذا من أغرب ما سمع . ولم يعهد العرب شيئا من هذا بفضل ما حبسه المتصدقون على ضروب البر ، وإن كان هذا الإفراط في الإفضال على العاجزين عن الكسب ، قد يورث الخمول ويقعد بالهمم عن الكدح . إلى اليوم لم ينشأ للبشر مجتمع كامل في عامة صفاته ، على كثرة ما جاءه من الشرائع وسنّ لأجله من القوانين ، والسعادة لم يمسسها الناس بأيديهم ، وكأنها محالة الآن . وما ندري إن كانت أسبابها تتم في مستقبل الدهور والعصور ، فلا الوقف وقى الناس من الفقر ، ولا عدمه أفقرهم . هذه القوانين قد تلطف من شرّة الشر ، ولكنها لا تستأصله من جذوره ، لأن لذلك أسبابا أخرى ، ولعله لا يتم المطلوب قبل انقضاء أيام وليال ، وقضاء آجال وأجيال ، واللّه يحكم لا معقب لحكمه . تقسيم الأوقاف وإصلاحها « * » : يقسم الوقف إلى خيري وأهلي ، وينقسم الخيري إلى ديني محض كحبس المساجد والمعابد ، وإلى ديني دنيوي وهو يشمل جميع أنواع الوقوف الخيرية كوقف مدارس العلم ودور الصناعات ورباطات المجاهدين ، وفنادق أبناء السبيل ، ومستشفيات المرضى ، ومقابر الموتى ، ونحو ذلك من وسائل الارتفاق العام ، ومثله ما تحبس عينه لينتفع بريعه مصارف الصدقات الشرعية ، سواء أكان الحبس على جميع المساكين أم على فئة مخصوصة منهم .

--> ( * ) اقترحنا على صديقنا الشيخ سعيد الباني أن يكتب لنا رأيه في الأوقاف وطرق إصلاحها فكتب كتابا سماه « الكشاف عن أسرار الأوقاف » فاقتبسنا منه ما هو بمثابة تتمة لما كتبناه في الفصل السابق .