محمد كرد علي
102
خطط الشام
الضرائب على الرعية ، وقد غدا دخلهم لا يوازي خرجهم كما كان سابقا ، وأمسى رجال الأمر فيهم يسيرون على سيرة ملوكهم يعرقون لحم الأمة ليجمعوا أموالا ربما وقفوا بعضها على الأعمال الخيرية ، فكانوا كالتي تزني وتتصدق ، وما كانت صدقاتهم في الحقيقة إلا فرارا بأموالهم من المصادرات لأن مصادرة الوزراء والأمراء بعد المئة العاشرة أصبحت في الدولة العثمانية موردا من الموارد التي تعيش بها الدولة ، بعد أن كانت لأول أمرها تقتصر في دخلها على الجزية الشرعية والخراج الذي كانت تتقاضاه من ملوك النصرانية وأعشار الأملاك السلطانية وريع الجمارك والملاحات والخمس الشرعي من أموال الغنائم . وإذا كان عمال الدولة لا يأخذون الأموال إلا من حلّها كيف استطاع مثل سنان باشا فاتح اليمن أن يصرف على خيراته ما يربو على مليوني ليرة بسكة زماننا ، ولو قدر هذا المال بقيمته العرفية اليوم لبلغ عشرة ملايين . لا جرم أنه لم يحتجن هذا المبلغ الذي تعجز أمة من الأمم الراقية اليوم عن المفاداة به إلا بارتكاب ضروب المظالم والمغارم . ولو فتح هذا الفاتح ما بين المشرقين وارتكب مثل هذه المنكرات في أموال العباد ما نفع شيئا في قرباته وصدقاته . وإذا كان مثل جنجي خوجه من مشايخ السلطان إبراهيم ، وهو من أرباب الدجل ، قد جمع من الرشاوى والهدايا والأوقاف ما يربو على مائة ألف كيس والكيس خمسمائة قرش يوم صودر وأخذ خطه بها ، فكيف حال من يقبض على زمام الأمر من الوزراء والولاة ويظل مدة في منصبه ، ثم هو يظن أن إنشاء مدرسة أو جامع مما يبرر أعماله ويكفر عن سيئاته ، وأن ذراريه بمأمن من الفقر لأن الملوك في الغالب كانوا يتركون لهم العقارات والأرضين ويكتفون بمصادرة الأموال فقط . الوقف من مال غير محلل : قال في « نتائج الوقوعات » : ومؤلفه من وزراء السلطنة في عهد السلطان عبد العزيز ردا على من قال إن الأسلاف لم يحبسوا ما حبسوه إلا خوف المصادرة