محمد كرد علي
95
خطط الشام
الرفاهية والسعة ، ممن كانوا في كل زمان ينشطون إلى سماع الأغاني ، ويبرون الرجال والنساء من أرباب الموسيقى والغناء ، ويغالون بابتياع الجواري اللائي حذقن الغناء ، وبرعن في الموسيقى وشدون شيئا من الأدب . وكانت تغلو في العادة قيمة مثل هذه الطبقة من الجواري . والسواذج منهن أي غير المثقفات دون من عني أولياؤهن بثقافتهن في الرتبة والقيمة مهما بلغ من جمالهن ، والموسيقى والشعر في مقدمة ما كان يطلب منهن . وذكر المسعودي أن كثيرا من الجواري اشتهرن بالغناء بالمدينة ، وكان يقصدهن بعض الناس من بغداد ، وربما وافى الواحدة وجوه أهل المدينة من قريش والأنصار وغيرهما ، ومنهن القارئة القوّالة ، ولم تكن محبة القوم إذ ذاك لريبة ولا فاحشة . وكان لبعض الموسيقيين والموسيقيات والمغنين والمغنيات من أرباب النباهة والفضل ، يد في إصلاح بعض الأحوال وتخفيف النوازل عند العظماء ، ولطالما ارتجلوا ألحانا وأبياتا ظاهرها طرب وغرام وسلوى ، وباطنها وعظ وعبرة وتعريض ، ذلك لأن الموسيقى عندهم كانت على الأغلب مرافقة للشعر والأدب ، وكم من شاعر تدفقت الحكمة على قلبه ، وجاش بها صدره ، فهذّب نفسا بل نفوسا بأبيات يقولها . جاء أبو النصر الفارابي الفيلسوف إلى الشام على عهد سيف الدولة بن حمدان فأدهشه ومن عنده من الموسيقيين على إتقانهم لها ، وأقام في دمشق ومات فيها ، قال ابن أبي أصيبعة : إن الفارابي المعلم الثاني وصل في علم صناعة الموسيقى وعملها إلى غاياتها ، وأتقنها إتقانا لا مزيد عليه ، وإنه صنع آلة غريبة يسمع عنها ألحانا بديعة ، يحرّك بها الانفعالات ، ويحكى أن القانون الذي كان يضرب عليه للطرب هو من وضعه ، وأنه كان أول من ركّب هذه الآلة تركيبها المعهود اليوم . وقد ذكر المؤرخون من تنافس سيف الدولة بن حمدان مع الوزير المهلبي للاستئثار بمغنية أديبة مشهورة اسمها الجيداء ما يدلّ على ولوع القوم بالموسيقى ، وكان لجيداء في مجالس سيف الدولة من ارتجال الألحان والأدب البارع ما اشتهر أمره ، وفي عصره اشتهرت في أنطاكية المغنية المشهورة « بنت يحنا » . ولم تبرح الشام تخرج من رجال الموسيقى والغناء رجالا كانوا بهجة