محمد كرد علي
92
خطط الشام
نقل اليونان والرومان إلى هذا القطر موسيقاهم وأصول غنائهم على الأرجح كما نقلوا أربابهم ، واقتبسوا أربابا مع أربابهم ، وإذ طال عهد دولتيهم كثيرا تأصلت موسيقاهم ، وثبتت مصطلحاتهم ، وربما نقلوا بعض مصطلح الأمة التي حكموا عليها في غنائها وموسيقاها . ولما انتشرت النصرانية في الشام في القرن الثالث للميلاد عني منتحلوها بالموسيقى في كنائسهم عناية اليهود بها من قبل في بيعهم ، وإذ اقتبست النصرانية كثيرا من عادات الروم ومصطلحاتهم لم تقصر في اقتباس الموسيقى والتلحين والغناء لثبوت فوائدها الروحية . ولما جلت بعض القبائل العربية إلى الشام يوم سيل العرم وقبله وبعده ، حملت معها ما ألفت أن تفزع إليه من اللحون ، وتضرب عليه من الآلات ، حتى إذا كان الإسلام ، وكانت مدنية الفاتحين إلى السذاجة والفطرة ، وكان غناؤهم لا يتعدى الحداء والإنشاد يوم الغارة والحفل ، وفي ظل الخيام والآطام ، أخذت موسيقاهم تقتبس من الموسيقى الشامية الرومية كما تقتبس من الموسيقى الفارسية . وقال بعض العارفين : كان اقتباسها من الموسيقى الفارسية فقط . وزعم بعضهم أن أخذها كان من الرومية أكثر . ولا يعقل أن يتأخر العرب في نقل الموسيقى إلى القرن الأول للهجرة واستعدادهم لها كاستعدادهم لغيرها من الفنون ، ولهم من فطرتهم ومناخ أرضهم أعظم دافع للولوع بها ، وهم المعروفون بحب الارتحال وكانت لهم صلات مع جيرانهم من الأمم الأخرى منذ الزمن الأطول « ولم تكن أمة من الأمم بعد فارس والروم أولع بالملاهي والطرب من العرب » . ومع هذا فنحن مضطرون أن نشايع القائلين بأن أول من غنى هذا الغناء العربي بمكة ابن مسجح ، نقل غناء الفرس إلى غناء العرب ، ثم كثر الموالي من الفرس فكانوا يتعلمون في مكة والمدينة ، ومنها ينتقلون إلى الشام والعراق ومصر وغيرها من الأصقاع التي استظلت براية الإسلام . وفي الأغاني أن سعيد ابن مسجح أبو عثمان مولى بني جمح وقيل إنه مولى بني نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، مكي أسود مغن متقدم ، من فحول المغنين وأكابرهم ، هو أول من وضع الغناء منهم ، ونقل غناء الفرس إلى غناء العرب ، ثم رحل إلى الشام ، وأخذ ألحان الروم . وقيل : إن أول من أخرج الغناء العربي جرادة ، جارية ابن جدعان وفيه نظر