محمد كرد علي
88
خطط الشام
به الكتب في أرض المدنية اللهم إلا في بضع مطابع لا يهتم أهلها ربحت أم خسرت لأنها لجماعات لا لأفراد . وما عدا عشرات من الكتب التي طبعها في بيروت خاصة علماء المشرقيات أو من أخذوا عنهم طرائقهم في الطبع والنشر . لم يكد يطبع في سائر مدن الشام كتاب يعد نموذجا في إتقانه ووضعه وتأليفه . وغاية ما نشروه كتب قصص وكتب مدارس ابتدائية أو أشعار أناس تهجموا على التأليف تهجما ، ولما يستعدوا له الاستعداد الكافي ، ولم يجوّدوا مصنفاتهم بإنضاجها بالبحث والتنقيب ، وإيراد الطريف من المباحث . فالشام مقصر في هذا الشأن من وجوه كثيرة ، ولولا مئات من المجلدات خلفها لنا أجدادنا ، وما زالت تطبعها مطبعة ليدن في هولاندة منذ أكثر من ثلاثة قرون بمعرفة أفاضل علماء المشرقيات في الغرب ، ولولا ما طبعته جمعيات المستشرقين في ممالك أوروبا وأميركا لفاتنا الوقوف على أمور كثيرة في مدنية العرب وتاريخهم ، وإلى اليوم لم تبلغ مصر على كثرة ما يطبع فيها من الكتب ، وبعضها باتقان زائد في الطبع ، كمطبوعات المطبعة الأميرية ودار الكتب المصرية ومطبعة جمعية التأليف والترجمة والنشر مبلغ مطبعة ليدن وليبسيك في الإجادة ، ولا سيما في الفهارس والشروح والهوامش والأمانة في النقل الذي أصبحوا به قدوتنا وعنهم يجب أخذه تأملنا مليا فيما تصدره المطابع من الكتب فرأيناها مصنفات هوائية موقتة إلا قليلا ، تخدم فكرا خاصا ولا يتوقع منها إلا الشهرة على الأغلب لا عموم الفائدة ، ومعظم من يعدونهم من المؤلفين هم في الحقيقة مترجمون ، ومنهم من لا يجيد الترجمة ، وكم من تأليف نظرت فيه فانقبضت نفسك مما في تضاعيفه من ضعف التأليف ورداءة الطبع . ومع هذا كان الناس يؤلفون على عهد النهضة الأدبية الأولى أي في أواخر القرن الماضي أكثر من اليوم ، ولقد تسربت روح التفرنج إلى طائفة ممن تلقنوا اللغات الأجنبية ، وغدوا لا يهتمون إلا بالأخذ من كتب اللغة التي يحسنونها من لغات الغرب ، وفي الغالب تكون الفرنسية أو الإنكليزية وقلما رأينا رجلا كفوءا من هؤلاء الذين لا يعتمدون على غير كتب الإفرنج أن نقل ، لمن حرموا معرفة اللغات الغربية من بني قومه ، موضوعا نافعا لهم في اجتماعهم وصناعتهم وتمدنهم ، لأن الأثرة زادت بزيادة المدنية .