محمد كرد علي
74
خطط الشام
وتعريفهم إلى رجال غير رجالهم . والعاقل من حرص على نفع أمته قبل كل نفع ، وانتفع بما عنده قبل أن يتطال إلى ما عند غيره . ومن زهد في لغة آبائه وجدوده كان حريا بالزهد في وطنه ووطنيته . واللغة والوطن يصح أن يكونا اسمين لمسمى واحد . جنت مدارس الأجانب والحكومة أعظم جناية ، لأن المتخرجين فيها ومعظمهم من الذكاء على جانب لم ينفعوا الدولة ولم ينفعوا الأرض التي ولدوا فيها . إن المدارس غير العربية في الشام أشبه بالسارق الذي يسرق الأعلاق ونفائس المتاع ، أستغفر اللّه بل إن من يسرق فلذات الأكباد ، ليخرجها على ما أراد ، أشق على النفس وطأة ، وأعظم في المغبة أثرا . وهل يقاس سارق الأموال بسارق الأطفال والرجال ؟ أوليست الأرواح أثمن من كل بضاعة ، وهل أعز من الولد على قلب أبويه . إن المدارس التي تعلم على غير الأسلوب الوطني هي التي تسلب من الشام اليوم بعد اليوم روحها ، وناهب الروح ماذا يدعى في الشرع والعقل . ولم يبلغ البشر درجة من التمدن حتى تتساوى في عيونهم اللغات والعناصر كلها ، وتتجرد أمة فتفنى لإحياء غيرها ، وتقلل جنسيتها لتزيد سواد أخرى ، ولا تهمها دارها وتريد هدمها لتعمر بأنقاضها دار جارها . في نحو سنة ( 1278 ) فتحت حكومة حلب المدرسة المنصورية وهي أول مدرسة أميرية أنشئت في حلب . وأنشأ « 1 » مدحت باشا في دمشق سنة ( 1295 ه ) ثماني مدارس ابتدائية للذكور والإناث ودار صنائع ، وأسس مثل ذلك في أعمال ولايته الواسعة ، وما برحت المعارف مذ ذاك العهد تعلو وتسفل والحكومة لا تطلب من المدارس الابتدائية والثانوية إلا أن تخرج لها طبقة من الموظفين ملكيين وعسكريين يكونون أتراكا بألسنتهم لا بقلوبهم ، عثمانيين بتربيتهم لا بأصولهم ، وقد أخذ دعاة تتريك العناصر يقاومون العربية سرا ، فما هي إلا أعوام حتى أصبح معظم الدارسين في مدارس الحكومة يخرجون بعد درس عشر أو خمس عشرة سنة ، وهم لا يحسنون لغتهم ولا لغة الدولة الرسمية ،
--> ( 1 ) من تقرير لنا في إصلاح المعارف العمومية في 11 ربيع الأول سنة 1339 - 22 تشرين الثاني 1920 .