محمد كرد علي
71
خطط الشام
توسد إلى الجهلة بدعوى أن آباءهم كانوا علماء ، وهم يجب أن يرثوا وظائفهم ومناصبهم وإن كانوا جهلة ، كما ورثوا حوانيتهم وعقارهم وفرشهم وكتبهم . بل بلغت الحال بالدولة إذ ذاك أن كانت تولي القضاء للأميين ، وكم من أمي غدا في دمشق وحلب والقدس وبيروت قاضي القضاة ، أما في الأقاليم فربما كان الأميون أكثر من غيرهم ، لأن أخذ القضاء في دار الملك كان متوقفا على بذل شيء من الرّشى ، فيصل إليه أجهل الناس وبذلك فترت الهمم ، وانصرفت الرغبات عن تعلم علوم الدين ، لأن الجاهل والعالم سواء ، ومن يحسن المصانعة والرشوة ويمتّ إليهم بأسلوب من أساليب الشفاعة . وأصبح الشعر عبارة عن شبكة يتعلم صاحبها نصبها ليتزلف بها إلى الكبراء وأرباب الدولة ، والشاعر كطبال أو زامر أو قرّاد يغني ويلعب أمام من يعطيه دريهمات قليلة . وهناك شبكة رسمية أخرى يصطاد بها المال وهي أن من حفظ قواعد النحو والصرف في كتب لهم معينة وانقطع إلى مدرسة من المدارس ، وجاز الامتحان ست سنين على أسلوب لهم مخصوص يعفى من الخدمة العسكرية ، فتعلم بذلك كثيرون ، ومن فهموا ما تعلموه جاء منهم بعض فقهاء وأدباء ، ثم أبطل ذلك في العقد الثاني من القرن الرابع عشر . وبينا كانت مدارس العلم في حلب وحماة ودمشق وطرابلس والقدس وغيرها آخذة بالأفول والاندراس ، والمسلمون أو الذين خرجوا من الأمية بعض الشيء من أهل هذه الديار يولون وجوههم قبل المناصب الدينية والإدارية والعسكرية ، كان إخوانهم المسيحيون يتعلمون في مدارس نظامية في الجملة ، جعلت تدريس العربية وآدابها واللغات الحية أول بند من منهاج الدراسة فيها ، فجاء من أبنائهم ومن أخذ العلم عنهم من سائر الطوائف جماعات يذكرون في التاريخ بحسن بلائهم في خدمة الآداب ، ومنهم أفراد نزحوا إلى مصر وأميركا وتولوا الأعمال الكبرى وأظهروا آثار قرائحهم ونبوغهم ولا سيما في القرن التالي ، وبطلت القاعدة التي كان وضعها بعض ضعاف النظر من تقبيح نحو النصارى وغناء اليهود ، فأصبح بالتعلم من النصارى نحاة ثقات ، ومن اليهود مغنون ومغنيات ، أي أن الزمن أبطل ذاك الزعم .