محمد كرد علي
245
خطط الشام
قال صالح بن يحيى : إن مراكب الإفرنج أخذت تتردد إلى بيروت بعد الحروب الصليبية بالمتاجر قليلا قليلا ، وكانت مراكب البنادقة تحضر إلى قبرس فيرسل صاحب قبرس بضائعهم في شونتين كانتا له إلى بيروت نقلة بعد أخرى ، وكان للقبارسة جماعة من التجار يسكنون فيها أي في بيروت ، ولهم خانات وحمامات وكنائس ثم بطل ذلك . وتكاثر حضور مراكب طوائف الإفرنج وكانت ضرائب الواردات والصادرات تؤخذ في بيروت ، وهي تبلغ جملة مستكثرة ، وكان على باب الميناء دواوين وعامل وناظر ومشارف وشادّ يوليهم نائب دمشق والمتوفر من المرتبات يحمل إلى دمشق . وذكر لامنس أنه في نحو سنة ( 1136 م ) جاءت مراكب فرنسية عليها تجار إفرنسيون من مرسيليا ثم أخذت بعض مرافئ جنوبي فرنسا كمونبلية وارل تبعث سفنها ، وبذلت جنوة جهدها لتبقى لها الأفضلية في التجارة مع الشام ، وكانت عكا المرفأ الأعظم بين المواني وقاعدة التجارة ومركز القناصل العاملين ، ثم مرافئ صور وطرابلس والسويدية التي كانت تسمى ميناء مارسمعان ثم بيروت . ومنذ القرن الخامس عشر تقدمت بيروت سائر مواني الشام ، وكان تجار الإفرنج يستبضعون من ديارنا الحرير والقطن بكميات وافرة والكتان والخام والأنسجة الكتانية والحريرية ، وكانت صور لا تزال تتجر بالأرجوان واشتهرت بآنيتها الصينية وزجاجها الفاخر ، ويقبل الأوربيون على حرير أنطاكية وزجاجها ، ويبتاعون السكر بالكميات الكبرى من صور وطرابلس وغيرهما من مدن الساحل ، إلى غير ذلك من ضروب الثمار والعقاقير والحشائش الطيبة والأفاويه العطرية ، وكان البنادقة يجلبون من حلب مقادير عظيمة من القطن والشب والبهار ، وخيرات الهند والعجم تتدفق إليها . ومبدأ اشتداد صلات الشام مع الغرب منذ الحروب الصليبية . وقد أخذ تجار الإفرنج أنفسهم بفضل صلاح الدين ثم أخلافه من بعده يغدون ويروحون في هذا القطر ، والحرب ناشبة بين الفريقين لا يمس أحدهم بأذى ، ولا يعتدى على حقوقه ، حتى اضطر الصليبيون أن يعاملوا تجار العرب على هذه الصورة في الأرض التي بقيت في أيديهم إلى آخر مدة الحرب مثل صور وعكا وأنطاكية لا ينال التجار منهم كبير