محمد كرد علي

235

خطط الشام

أن الحسد المتأصل في الطبقات الدينية والسياسية كان يمزقها ويحول بين المصريين القدماء وبين كل صلة بالشام . فكانت الشام إذا المستودع الوحيد للعالم المعروف تأتي حاصلات آسيا وإفريقية مع القوافل إلى موانئ الشام حيث تحمل على سفن فينيقية ، وأتت أزمان على الشام كانت تخرب بأيدي الفاتحين ، وتخرب أيضا بالحروب المتواصلة بين الممالك الصغرى التي كانت تنازع هذا القطر . فأضاع بها مكانته ، خصوصا منذ تخلصت مصر من نفوذ كهنتها ، وغدت منافسة لها بأن جعلت من مركزها الواقع على بحرين مستودعا سهل التجارة بين أنحاء العالم . وكان السبب في كثير من الحروب التي نشبت بين الشاميين والأشوريين والبابليين والمصريين ثم مع ممالك الروم في الغرب ، مسائل التجارة على الأغلب وإرادة الشاميين أن يفتحوا صدر أرضهم لتنفذ إليها تجارات جيرانهم أو غيرهم من الشعوب . ومن أهم المدن التي استأثرت بالتجارة في القديم البتراء ثم تدمر ثم حلب ودمشق . وكانت مدن فينيقية لولعها بالتجارة تترك الزراعة حتى بلغت الحال بأهل صور أن أغفلوا تعهد الأرض وكانوا يشترون مؤونتهم من الجليل والسامرة واليهودية ، ولما حاصر الإسكندر صور اضطر أن يستجلب أزودة جيشه من هذه المحال . وذكر ديودروس أن ثروة الأنباط أصحاب البتراء كانت من الاتجار بالطيوب والمر وغيرهما من العطريات ، يحملونها من اليمن وغيرها إلى مصر وشواطئ البحر المتوسط ، ولم تكن تجارة تمر في أيامهم بين الشرق والغرب إلا على أيديهم ، وكانوا يحملون إلى مصر خاصة القار لأجل التحنيط . ولما استولى الرومان على القطر انتقلت التجارة إلى تدمر وفارس . ووفق الفرس إلى تحويل التجارة عن مصارفها القديمة إلى أصقاع الفرات والخليج الفارسي . وأخذ الرومان يعنون بإنشاء الطرق المعبدة في الشام ، والوصل بين الشام والأقطار الأخرى كالجزيرة والعراق والحجاز ومصر وآسيا الصغرى ، ولا تزال إلى اليوم بعض هذه الطرق ماثلة للعيان في صرخد والشراة والكرك وأيلة وجرش ، وهذه كانت طرق البتراء إلى داخل الشام ، وكانت أنطاكية ترسل إلى رومية الأصواف والأنسجة والحنطة ، والشرق يبعث إليها بأدوات الزينة والرفاهية