محمد كرد علي
210
خطط الشام
الثياب ومنها ما يسمى بالعرف بالبيرو ( مكتب ) وهو عبارة عن أربعة دروج كبيرة فوقها درجان صغيران ويصنع منه إطار للمرآة ، وإطارات للصور ومناضد ، وجميع ما يصنع من الخشب البسيط . ومنذ خمسين أو ستين سنة كثر طلب هذا الصنف إلى أوروبا . ولكن الحكومة والبلدية لم تأخذا تلك الصناعة تحت رعايتهما فكثر الغش فيها ، وصارت إلى البوار وانقطع عنها الطلب إلى الخارج بتاتا ، وهي لا تروج الآن إلا في دمشق وضواحيها تقريبا ، ولو عنيت البلدية بمراقبة صناعها ، وجعلت لهم رئيسا مسؤولا لدرت تلك الصناعة على دمشق أرباحا هائلة ولأصبحت أجرة الصانع يوميا نصف دينار وراجت في أقطار العالم أجمع لجمالها ودقة صنعها . ومن أهم معامل النجارة والفرش معامل الياس جرجي السيوفي في بيروت زرتها في سنة ( 1330 ه 1912 م ) ومما قلته فيها : رأيت صورة مصغرة من صورة الغرب في الشرق ، وتمثل لي فضل الذكاء العربي ، وأنه وإن لم يفق الغربي فليس دونه ، وأن يد أبنائنا صناع في الأعمال لا يفوقها ابن فرنسا وإيطاليا وإنكلترا وألمانيا وسويسرا وبلجيكا إلا بأن الإفرنج يرجعون إلى أساليب في العمل تنقصنا ، أو تكاد في أكثر الأصقاع لا تجد لها أثرا بيننا ، وهي ترجع إلى أسباب رئيسة مهمة ، أولها الصبر على العمل ، وثانيها تجويد العمل ، وثالثها القدر اللازم للعمل من المال والمعرفة ، ورابعها الاقتصاد في الوقت والأيدي العاملة ، وخامسها تنشيط الأهلين والحكومات للمصنوعات الوطنية وحماية التجارة الداخلية بقوانين تنفذ على الصادر والوارد ، وسادسها وجود المواد الأولية التي يمكن بها الاستغناء عن المواد الخارجية في الجملة . دلت معامل السيوفي على أن الشرقي بمفرده أمة ، وأن الأمة بمجموعها ضعيفة ، بمعنى أن الشرقي يعمل مفردا أحسن من عمله مجتمعا ، وذلك لفقد التربية المشتركة بين المشارقة يرجعون إليها وتضم عراهم . فلو كان معمل الغزل في دمشق لفرد واحد منذ إنشائه له خيره وعليه شره ، لما اضمحل هذا الاضمحلال الذي نراه عليه ، ولو كانت معامل السيوفي في بيروت لشركة لما رأينا فيها هذا النظام والنجاح ، وبذلك صح لنا إثبات ما قدمناه من أن الشرقي أمة بمفرده والأمة ضعيفة بمجموعها ، وأن لا سبيل إلى قيام الأعمال الكبرى