محمد كرد علي
145
خطط الشام
المعارف مدارس ابتدائية في بعض القرى الكبيرة فدخلت المدنية قليلا وزادت النفوس زيادة محسوسة ، وربما زادت عما كانت عليه منذ سبعين سنة سبعة أضعاف . وهذه الزيادة أفادت الزراعة أيضا . ولم تصب بعض الأصقاع الزراعية بالضعف إلا مدة الحرب الأخيرة ، وقد كلب عمال الترك فاستلبوا من الفلاح ابنه وبقره وغنمه وخيله وحميره وبذاره وحطبه وقطنه وصوفه وقشره ، ولو طالت الحرب سنة أخرى لحصد الوباء البقري الأبقار من أكثر أنحاء الشام ، لأن ما بقي سالما منها كانت الحكومة تأخذه للنقل أو للذبح ، فتعطل بعضهم عن الحرث ، ولكن من نجوا من هذه الغوائل ولو قليلا استفادوا من ارتفاع الأسعار أرباحا طائلة ، فوفوا ديونهم وخرجوا وقد أغنتهم الحرب ولم تفقرهم . وما زلت أعتقد أن أصحاب الحوانيت مقصرون جدا في تعليم الفلاح ، وتحسين حالته المعاشية والمنزلية والصحية ، حتى كاد يصبح بطول الزمن شقيق البهائم لا يفرق عنها إلا أنه ناطق ، وهذا النقص يحمل عليهم وعلى الحكومة . فقد تجتاز إلى اليوم القرية والقريتين في الأرجاء البعيدة ولا تجد رجلين أو ثلاثة من أهلها يقرأون ويكتبون على ما يجب ، فكيف لهم أن يعرفوا ما لهم وما عليهم من الحقوق والواجبات . ولا يستقيم للزراعة حال فيما أرى إلا إذا علّمت كل أسرة يأتيها رزقها من الزراعة أحد أبنائها هذا الفن الجليل ، ولا تمضي بضع سنين حتى تدخل الشام في طور الأقطار الزراعية الراقية ، وعندها تتضاعف الثروة مرتين أو ثلاثا ، وينقطع دابر الهجرة ويعمر الغامر كما يزيد عمران العامر . ويعتقد الناس أن العز والغنى معقود بالأرض ، وأن الشرف يستمده المرء من عمله الحر الحلال . عناية الأقدمين بالزراعة : إن ما انتهى إلينا من الكلام القليل على الزراعة الشامية لا يشفي غلة الباحثين اليوم ، لأنه مجمل يحتاج إلى تفصيل كثير . وإذا عرضنا له هنا فللاستئناس به في تاريخ الزراعة في الجملة ، فقد علمنا أن الإسرائيليين كانوا يريحون الأرض سبع سنين ثم يزرعونها فتأتي غلاتهم مخصبة نامية . وعلمنا أن النبطيين وهم ( 4 - 10 )