محمد كرد علي
135
خطط الشام
أحصيت قرى هذه الأقاليم الثلاثة اليوم لا تجدها في حوران تزيد على أربعمائة قرية ومنها الخرب ، وفي الغوطة على ثنتين وأربعين ، وفي وادي التيم على ثلاثين إلى أربعين . وهكذا سائر الشام . فإن حلب كان فيها قبل العثمانيين 3200 قرية فأصبحت 400 في القرن الحادي عشر ، ومنها ما ظل خرابا إلى النصف الأخير من القرن الماضي لأن معظم عهد العثمانيين انقضى في مظالم ومغارم ، وكان من جندها ولا سيما الإنكشارية في آخر عهدهم أدوات تخريب لم يشهد الناس أفظع منها ، لذلك خربت حتى الضواحي والأرباض من المدن الحافلة أمثال حلب ودمشق وحماة وحمص وما شاكلها . وكانت رجل الإنكشاري بل الجندي التركي على الإطلاق حيث دبت يدب الدمار والبوار . ولذلك لا نكاد نرى عمرانا إلا على طول الطرق العامة الكبرى وما إليها من اليمين والشمال ، ونشاهد المدينتين العظيمتين حلب ودمشق مثلا ينقطع في الحال أو على ساعات قليلة عمرانهما الذي كان وارف الظلال إلى القاصية . وكان هذا بفعل البادية وفعل الجيوش المدمرة . عوامل الخراب : ولولا ذلك الظلم المتسلسل قرونا في أعقاب الفلاحين المساكين ، وأسواط النقمة التي انهالت على رقابهم الجيل بعد الجيل ، لما تيسر اليوم لأحد أن يملك المزرعة والمزرعتين بل ربما العشر والعشرين قرية ، وبعض الأسر الحديثة تملك الخمسين والثمانين ، والإنسان قد تكفيه المئة دونم أو جريب إذا أحسن تعهدها ، فكيف له أن يعمر ألوفا من الأفدنة ، ويتسع وقته وماله لحمايتها وترقيتها ؟ نقول حمايتها لأن كثيرا من القرى تنازل عنها ملاكها لأرباب النفوذ ليحموهم من ظلم الحكام والمرابين ، وأخذوا ثمنها بضع عباءات وغلايين ، أو قفة من البن أو رطلا من الدخان أو أقة من الحلوى المعروفة بالبقلاوة ، ومن الأراضي ما توسل أهلها إلى أرباب المكانة أن يسجلوها في دائرة التمليك بأسمائهم لما شرعت الدولة العثمانية 1882 م بتسجيل الأملاك على أصحابها ، وذلك فرارا من ظلم عمال تلك الحكومة ومن وضع الرسم المعتاد ، ومنهم من تخلوا للأعيان عن أراض عانوا مع آبائهم زراعتها زمنا طويلا ، تخلصا من تسجيل نفوسهم