محمد كرد علي
132
خطط الشام
عقام على ما يظهر . وما اتخذ الروم من الغسانيين في الجنوب ، والتنوخيين في الشمال عمالا لهم إلا ليقوموا بإنفاذ هذا الغرض ، ويأمنوا بسلطانهم عيث البادية على أرض الشام الجميلة . وليست البادية التي تحد أكثر هذا القطر من الشرق كما قال الدكتور پوست بادية حقيقية لأنه يقع فيها بعض المطر في فصل الشتاء ، وينبت فيها عشب ترعاه المواشي ، وتسكنها قبائل شتى من العرب ، وتتدرج هذه البادية إلى جهة شمالي الشام ، في السهل المتسع الممتد من نواحي حلب إلى ما بين النهرين ، وكان هذا السهل مسكونا في قديم الزمان ، ولم تزل فيه آثار عظيمة تدل على كثرة الذين سكنوه ووفرة ثروتهم ، إلا أنه أمسى الآن قليل السكان تجول فيه العرب والأكراد . وقد أكد موسيل أن البلاد الواقعة في شرقي الأردن كانت قبل مئة وعشرين سنة عامرة بالسكان وهي اليوم تكاد تكون خالية لعيث البادية . وأهل الوبر الذين يشتون منذ القديم بمواشيهم فيما وراء بادية الشام من الفلوات تشتد حاجتهم في الربيع إلى أن يدخلوا المعمور ، فإذا حصدت الزروع يضطرون إلى رعي أنعامهم وأغنامهم في أرض الحصيد ، ومراعي دير الزور والجولان طلبا للماء ، والتماسا لبيع حاصلاتهم واستبضاع ما يلزمهم . وإذ كانت أرض السقي أقلّ من أرض العذي بالشام ، ومعظم الأنهار لا يستفاد من سقياها اليوم كما كانت الحال عند الأقدمين ، زاد اعتداء البادية على مهاجمة البلدان الخصبة . قلة العناية بالأنهار : نقول هذا وأهم أنهارنا الفرات وهو نهر يتاخمنا من الشرق ، ولا نستفيد منه الاستفادة المطلوبة لأنه منحط عن مستوى أرضنا ، ولم يكن كذلك في الدهر السالف بما كان يعهد به من السدود والسكور التي كانت سبب غنى العراق ، وبالطبع غنى الأقاليم المتاخمة له من أرض الشام . ولا يستفاد من الأنهار التي تشق قلب القطر الفائدة المطلوبة في الريّ . فالأردن مثلا يشق بعض أرجاء فلسطين والعاصي الذي يجري من سفوح لبنان مارا بحمص فحماة فأنطاكية حتى السويدية لا ينتفع بهما على ما كان الحال قديما . فقد انتهى إلينا من عمل القدماء سد قدس بالقرب من قرية قطينة بجوار أرض حمص ، وكان أعلى مما هو الآن بحيث يتأتى