محمد كرد علي

126

خطط الشام

والمعازف ، وكان الرقص على نوعين : رقص مقدس من توابع الحفلات الدينية ، ورقص عالمي لتسلية العامة ، أي أن الرقص رقصان رقص ديني أو رقص المآتم ورقص الحبور والابتهاج . وفي التوراة أن الرقص كان شائعا عند العبرانيين ، وقد رقص داود أمام تابوت العهد ، ولما خرج بنو إسرائيل من مصر كان لهم نوعان من الرقص ، الرقص المقدس المنظم ورقص سريّ له اتصال بالتعبد على نحو ما كانوا يرقصون في التيه حول عجل الذهب . وكان للعبرانيين نوع من الرقص الشريف يرقصه العذارى في الحفلات العامة احتفاء بذكرى حوادث سعيدة من مثل انتصار على عدو أو تكريم مجد أبطال الوطن . وهكذا كان الرقص شائعا عند المصريين ، ثم شاع عند اليونان وهم المشهورون بتفننهم فبلغ عندهم أقصى درجات رقيه وانتقل إلى الرومان ، وإذ كانوا شعبا قاسيا غليظا فقد عندهم بهاءه ورواءه وما يقصد منه . ولكل شعب رقصه الخاص به ، عليه صبغة أخلاقه القومية الثابتة . ولجميع شعوب الغرب والشرق رقصهم الخاص أو رقصات عرفت بهم وأثرت عنهم . والإنكليز أكثر الأمم انحطاطا في الرقص لم يبرزوا فيه تبريزهم في معظم مظاهر الحياة القويمة . وكان الرقص عند العرب كالغناء من الفنون الطبيعية استعملوه في كل دور عرف من أدوارهم . والرقص أو الزفن كان عند العرب على ما يظهر على الطراز الذي هو عليه اليوم عند العرب سكان القرى والعرب الرحالة ومنه ما يعرف بالدبكة ، فإن وفد الحبشة لما قدم إلى الحجاز جعلوا يزفنون أي يرقصون . وفي حديث فاطمة أنها كانت تزفن للحسن أي ترقص له وفي رواية ترقصه . ومن غريب تفنن العرب في مسائل الظرف والذوق أنهم عرفوا علما سموه « علم الغنج » عده صاحب الموضوعات من فروع علم الموسيقى وقال : هو علم باحث عن كيفية صدور الأفعال التي تصدر عن العذارى والنسوان الفائقات الجمال والمتصفات بالظرف والكمال إلى آخر ما نقله صاحب كشف الظنون . والغالب أن رقص الشام اقتبس مع الزمن من أوضاع كثيرة ، والأمم تقتبس عن غيرها ما يتلاءم مع مزاجها . وكذلك تقبس غيرها بعض ما ألفته في هذا الشأن . من ذلك أن الرقص الاسباني إلى اليوم لم يبر بعد خمسة قرون من مغادرة العرب أرض الأندلس على الطراز العربي وكذلك موسيقاهم إلا قليلا . وقد