محمد كرد علي

124

خطط الشام

بمجاورة الفرس والنبط ومداخلتهم إياهم . . . انبعثت قرائحهم في الإجادة ، فقادوا محاسن الكلام ، بألين زمام ، وأحسنوا وأبدعوا ما شاءوا ، وكان أبو بكر الخوارزمي قد دوّخ الشام في صباه ولطالما قال وهو أحد أمراء النظم والنثر : ما فتق قلبي ، وشحذ فهمي ، وصقل ذهني ، وأرهف حدّ لساني ، وبلغ هذا المبلغ بي إلا تلك الطرائف الشامية ، واللطائف الحلبية ، التي علقت بحفظي ، وامتزجت بأجزاء نفسي . حكى المازني المتوفى سنة 249 قال : دخلت دير بصرى فرأيت في رهبانه فصاحة وهم متنصرة من بني الصارد وهم أفصح من رأيت فقلت : ما لي لا أرى فيكم شاعرا مع فصاحتكم ؟ فقالوا : واللّه ما فينا أحد ينطق بالشعر إلا أمة لنا كبيرة السن فقلت : جيئوني بها فجاءت فاستنشدتها فأنشدتني لنفسها : أيا رفقة من دير بصرى تحملت * تؤم الحمى لقيت من رفقة رشدا إذا ما بلغتم سالمين فبلغوا * تحية من قد ظن أن لا يرى نجدا وقولوا تركنا الصارديّ مكبلا * بكل هوى من حبكم مضمرا وجدا فيا ليت شعري هل أرى جانب الحمى * وقد أنبتت أجراعه بقلا جعدا وهل أردن الدهر يوما وقيعة * كأن الصبا يسدي على متنه بردا وما برحت الديارات في الشام تقدر الفصاحة كما تقام فيها للموسيقى أسواق . وظهر الضعف في الشعر خلال القرون الأخيرة ، ونسلت عليه القرون إلى أن خلع في أوائل هذا القرن الثوب البالي القديم ولبس ثوبا جديدا فيه من جلال الحديث وعز القديم ما جمع فيه الجسم والروح . بدأ هذا من لبنان وبيروت ثم تناول عامة مدن الشام . أما القرى والبوادي فقد اكتفت بالأزجال ، والزجل نوع من الشعر محدث يصفون فيه أيامهم ومفاخرهم وهو أشبه بالرجز الذي كانت العرب تترنم به في عملها وسوقها وتحدو به في بواديها . وكان للزجالين في القرن الماضي وفي هذا القرن منزلة عند أهل الزرع والضرع ، يدعون الزجال إلى الأفراح ليحمل البهجة إليها ، وإلى الأتراح ليسري عن النفوس ما نزل بها ، ولهم ضروب من المواليا يسمونها العتابي والإبراهيمي يطربون بها ولا تخلو من معان شعرية قال صديقنا الشيخ إبراهيم الحوراني وكان شاعرا مجيدا بالفصحى والعامية : والنصارى واليهود يعتقدون أن بعض الشعر إلهام إلهي ووحي حق كشعر أيوب