محمد كرد علي
120
خطط الشام
ونشأ منها صناعة جديدة هي الصناعة العربية . وأجمل هذه الصناعات على ما قال هوار الجوامع والقصور ، والتقليد محسوس ولكنه تقليد غير أعمى ، لأن تأثيرات الأساتذة الأقدمين لا تمنع من البحث العلمي والاختراع الحديث ، كما أن مشهد البدائع القديمة ودرسها لا يحولان دون التفنن ولطافة الإبداع والاختراع . قال : وفي الشرق نشأت هذه المدنية وكانت دمشق إحدى مراكزها . وقال جلابرت : ومن المصانع المنوعة في الهندسة الشامية شيئان يلفتان النظر خاصة وهما البيع والأبنية ذات السطوح . وكان المهندسون الشاميون فيها عالة على الشرق يسترشدون بآراء مهندسي فارس . وقد أثرت الهندسة الشامية إذ ذاك في هندسة كثير من الأمم ولا سيما في بيزنطية ، وأخذت بيزنطية عن الشام أو من طريق مصر عن الشام ، أصول كثير من الأبنية ، وقال لامنس : إن الهندسة والتصوير والنقش وفنون الزينة أخذت تسير في طريق مستقلة عن النموذجات اليونانية والرومانية التي كانت منذ عهد السلوقيين مؤثرة في جميع الصنائع النفيسة ، وأنشأ المهندس الشامي يرفض استعمال الملاط بين الأحجار ويكتفي بحسن وضعها على صورة متوازية تقوى بها بدون لحمة بين أجزائها ، واستعاض عن الآجر المألوف على عهد الرومان واليونان بالحجر النحيت ، وبنى الكنائس ذات القباب فكثرت البيع البديعة التي يعجب الأثريون بخرائبها العظيمة اليوم وعنها أخذ بناة الكنائس الرومانية ا ه . كان أساتذة العرب في البناء لأول أمرهم أناسا من الروم ، فكان بين أبنيتهم الأولى وأبنية النصارى وجه شبه ، فقد بني المسجد الأقصى على مثال كنيسة القبر المقدس ، ونقل استعمال القياب من الشرق إلى الغرب ، ولم تكن معروفة إلا في هذا الشرق ، وقد أفرط العرب كالروم في استخدام الفسيفساء في الجدران والقباب ، وزادوا في هذه الفصوص ما ابتدعوه من عندهم ، وكان محببا إلى نفوسهم ، جميلا في عيونهم . ويقول بعض العارفين : إن الشام لا يحوي كثيرا من المصانع الخارقة للعادة من صنع العرب ، لأنهم اكتفوا بما وجدوه في القطر من المباني القديمة ، فاستعملوها على ما يشاءون ، ولطالما بنوا بمواد أخذوها من أبنية قديمة . أما هندسة الصليبيين فأكثرها حصون وقلاع ، ولا يعرف إذا كانت في