محمد كرد علي

118

خطط الشام

البناء : قالوا : إن علم المباني فن من الفنون الجميلة بل هو أحسنها ، إذا قارنا بينه وبين الموسيقى نجد أن كليهما مطرب للإنسان ، فالأول مكوّن من نغمات غير متنافرة منتظمة الأوقات ، والثاني مكوّن من تراكيب وأوضاع غير متنافرة الأجزاء ، يظهر الأول مذببات العدد والأوتار يحملها الهواء إلى الآذان فيطرب بها الإنسان ، ويظهر الثاني الظلّ والضوء والألوان فتراها العين في أتم ما يكون موضوعة بنسب محفوظة ما بين مزخرف وبسيط تظهر عليها المتانة والراحة فتشتاق إليها النفس ، فكلا الفنين جميل غير أن الأول تذهب محاسنه في الهواء وبعد ذهابها لا يشعر بها ، وتبقى محاسن الثاني ما دام لها ظل . مواد البناء الحجر والتراب والخشب والحديد قد توجد كلها في قطر ولا يوجد إلا بعضها في آخر ، فمصانع بابل تداعت لأن معوّل البانين كان على الآجر لا الحجر ، ومصانع الشام بقيت لأن الحجر فيه كثير مبذول ، وإن كان أقدم ما عرف من آثارنا يرد إلى زهاء ألفي سنة ، وأقدم ما عرف في بابل وأشور ونينوى من الآجر المكتوب يرجع إلى أربعة آلاف سنة . وما عمل عندنا من الخشب والتراب دثر بعد مدة ليست بطويلة من عهد بانيه . ولقد ظهر أن الشام في القديم لم يكن له طراز خاص في البناء . وكان بناؤه بحسب روح الدولة التي تحكم فيه والأمة التي تتغلب عليه : مصريا أيام الفراعنة ، أشوريا على عهد الأشوريين ، بابليا في أيام بابل ، فارسيا في دور الفرس ، روميا في دولة الروم ، رومانيا في عهد الرومان . ولم يكن للحثيين والإسرائيليين هندسة خاصة ، بل كان الحثيون يقتبسون عن جيرانهم الأشوريين أصول بنائهم ، وليس مما اكتشف منه حتى الآن ما هو خارق للعادة في أشكاله ووضعه بل هو محرف عن الطراز الأشوري تحريفا كثيرا ، وما اكتشف من الصور النصفية وغيرها من عهد الحثيين لا ينم عن ذوق وإبداع على الأكثر . ومصانع الحثيين في الجملة مقتبسة من مصانع الأشوريين والبابليين اقتباسا رديئا لا يخلو من جفاء وسذاجة على ما قال الباحثون . وسار الإسرائيليون في صنع مصانعهم على تقليد الأشوريين والمصريين وقلدوا المصريين في الأكثر لقرب فلسطين من مصر ، ولاستيلاء المصريين زمنا على فلسطين . وكذلك فعل الفينيقيون والكنعانيون .