محمد كرد علي
45
خطط الشام
دور الحكومة المصرية « من سنة 1247 إلى سنة 1256 » حالة الدولة العثمانية عند إذلال جيش محمد علي الكبير لها : كانت الدولة العثمانية إلى أواخر منتصف القرن الثالث عشر جسما كبيرا تعروه نوبات عصبية من حين إلى آخر فيردها بقوته ، أو يطول زمنها عليه حتى تنتهي بطبيعتها . وصاحب المرض إذا طالت عليه معاودة النوبات قد يألفها ويظن أنه بريء من كل خطر ، على حين تكثر آلامه ، وتقرب منه حمامه ، والأدوار العصبية أشد ظهورا في ألم الجسم ، وإذا تكررت على المصاب يصير إلى العجز فلا يستطيع أن يدفع ضرا ولا يجلب خيرا . فكانت الدولة العثمانية إذا نظر إلى ظواهرها يظن معها قوة ، وفي الحقيقة هي إلى ضعف لكثرة ما استحكم فيها من أمراض وساورها من أوجاع ، غفلت عن تعهد قوتها الحقيقية ، فكانت تعلو وتسفل وتطفو وترسب ، بحسب مقدرة القائمين عليها من الصدور والسلاطين ، تقوم بالفرد ولا شأن للجماعة في معالجة ما يصلحها من تقنين وأصول إدارة ، وأهم ما امتاز به جندها الطاعة للرؤساء إلا أنها أصبحت في حروبها تستهلك أكثر مما تستحصل ، لأن جيش الإنكشارية وهم مستندها في قوتها عراه الانحلال فغدت الوقعة التي كان يكتفى فيها بعشرة آلاف مقاتل تسوق إليها ثلاثين ألفا ثم يشغب ولا يعمل عملا . ولا عبرة بالعدد إذا كان المجموع أقرب إلى التفسخ ، ومعنويات المقاتلين إلى الضعف . إن بعض الغوائل التي أصيبت بها المملكة والشام من جملتها في هذا القرن والذي قبله كانت بصنع جيش الإنكشارية وتمرده على رؤسائه ، وبضعف