محمد كرد علي
40
خطط الشام
دار الملك من السلطة فيمثلون أعظم مظهر من مظاهر الحكم الاستبدادي الفردي الجاهل . ولم يكن يخطر في بال الدولة أن رعاياها يقوون على الانتقام من أعظم عمالها ، وهم الموصوفون في معظم أدوارهم بالطاعة للملوك والزعماء والرضى بما تقضي به الأقدار ، ولو صحت عزيمة المظلومين مرة أو مرات أن يهلكوا من يحاول إهلاكهم وخراب أرضهم وديارهم ، لما ساءت الحال ، وبلغت الشام ما بلغته من الاختلال ، نريد أن نقول إن الرعايا طالت أيديهم فقتلوا واليا عظيما من ولاة السلطنة . ونعني به سليم باشا الصدر السابق مبيد جيش الإنكشارية . نصبت الدولة هذا الشيخ واليا على حلب ثم على دمشق سنة 1247 ، وكان ظاهره شجاعا مهيبا وباطنه جبانا وقد همّ أن يغتال بعض أعيان المدينة فبدأ بمدينة حماة ، وقتل بعضهم فأيقن القوم أن هذا القاتل لا يصعب عليه أن يهلك أناسا في دمشق ليصفو للدولة الحال بزعمه ، فلما جاء عاصمة الشام أراد أن يضع على كل سكرة أي عقار في دمشق « مصريتين » كما هو الحال في الإستانة فثارت العامة بإشارة الأعيان وكانوا عند المصائب الشديدة تتحد على الأغلب كلمتهم ، اتقاء شرّ عظيم يقعون فيه ، وكثيرا ما كانوا يدخلون الأوهام على الولاة ؛ لئلا يشتطوا في مطالبهم وتكون المغانم مناصفة بين الأعيان المتغلبة والحاكم المنصوب ، فضرب الوالي العامة من أبراج القلعة بالقنابل ، حتى إذا ضاق عليه الخناق جاء في بعض رجاله إلى دار قرب باب البريد فتأثره العامة وهدموا على رأسه سقف المخدع وأحرقوه . وذكر بعضهم أن هذا الوالي تحصن برجاله في جامع المعلق أولا والسكمان بالقلعة ، فبدأ الحريق من باب الهواء وأخذ يمتد ، فلما رأى ذلك داخله الوهم لقلة رجاله وكثرة الدماشقة فتحصن بالقلعة ، وأخذ يحرق دار الحكومة ليشغل الناس ويفوز بنفسه ، وكان الحريق هائلا خرب كثيرا ، ثم اعتمدوا على حصار القلعة وأخذ الوالي يطلق المدافع على البلد ، وأقام الناس متاريس حول القلعة ثم في الحارات وحاصروا العسكر المرابط في جامع المعلق ، وقتل في هذه المناوشات كثير من الأهالي وجماعة الوالي ، وطال المطال وتألب الناس على الوالي حتى إن والي عكا أخذ يقوي أهل دمشق عليه ، ولما ضاق به الحصار