محمد كرد علي
4
خطط الشام
وهو يخضع لزعيم الفرقة . ولم تكن تكفيهم إدراراتهم التي يتناولونها من مال الخزينة لكثرة أتباعهم ، فيضطرون للعمل يذهبون إليه وهم مسلحون ليسهل عليهم الانضمام إلى فرقتهم متى دعت الحاجة ، ولا شأن للخاملين وأهل الفسق إلا الاجتماع في المقاهي والحانات ، وإطالة أيدي الأذى على الناس يصادرون أموالهم ويفترسون نساءهم وصبيانهم ، وكثيرا ما يقتلون أحد أبناء السبيل لغير سبب كأن يجربوا بنادقهم أو سيوفهم في أول من تقع أعينهم عليه . تمادى الرعاع في قحتهم وفجورهم إلى الغاية ، لضعف الحكام وقصورهم عن ردع القوي عن الضعيف ، فنشأت فئة من الناس مسلمين ومسيحيين ، اتكلوا في حفظ أنفسهم وأهلهم على أنفسهم وشدة بأسهم في الدفاع . وكان القوم يحترمون هؤلاء الأشداء ويخافونهم ، وكان منهم من عرف بالشهامة والشمم بما يغبطون عليه ويخفف ويلات الشرور اللاحقة بالرعايا من اعتداء الجند أحيانا . وبلغ التعصب الديني أقصى شدته في هذا العصر حتى تجاوز القوم فيه حد الإفراط ، يحسب المرء كل من لم يتدين بدينه ممن يجوز له قتله أو الاعتداء عليه ، وابتزاز ماله وانتهاك عرضه ، وانتشر هذا الروح حتى عمّ السواد الأعظم من الناس . قال مشاقة بعد إيراد ما لخصناه : وكان فريق من العلماء وأهل التقوى يرون معاملة الذميّ بالحسنى تبعا لقواعد الدين الشريفة ولكنهم لم يوفقوا لردع الرعاع في زمن عمت فيه الفوضى وساد الجهل والهمجية على القوم . من أجل هذا ساغ لنا أن نستنتج أن الشام كان أهلها وحكومتها بين ظالم ومظلوم ، يشتد الوالي في إعنات الرعية لسلب أموالهم ويرسل إلى العاصمة بالمقرر عليه ، وكثيرا ما يشاكسونه فلا يدفعون المفروض عليهم ، أو ينتقضون عليه بإيعاز بعض أهل النفوذ وقد يكون الحق معه ، والرعايا عرضة لاعتداء الجند وأغواتهم والأعيان وأتباعهم ، تساوى في الظلم المدني والقروي ، وربما كان المدني أكثر تعرضا للمهالك لقربه من هذه العوامل التي أخذت على نفسها تمثيل التخريب في مسارح الجهل على ضروبه وأشكاله . ظلمات بعضها فوق بعض ، وسلاسل مفرغة من المصائب لا يدرى أين طرفاها . وليت