محمد كرد علي

46

خطط الشام

اختلاف الآراء واستيلاء صلاح الدين على الشام : ولما بدأت نواجذ الاختلاف تبدو بين الأمراء في الشام شعر صلاح الدين وهو بمصر أن هذا الفراغ الذي حدث بموت نور الدين يستلزم أن يملأه رجل تجمع القلوب على حبه ، وأن يصل السلسلة المقطوعة بمهلكه وإلّا انفرط العقد كله ، وتصبح الديار فوضى وتفتح أبوابها على مصاريعها لدخول الدخلاء يستصفونها وتصبح بالشقاق الداخلي أبشع صورة مما كانت على عهد أواخر الدولة الأتاكية أخلاف الأتابك ظهير الدين . واتفق نزول الفرنج بعد وفاة نور الدين على الثغر وقصدهم بانياس فخرج إليهم شمس الدين بن المقدم وراسل الفرنج وخوفهم بقصد صلاح الدين لأرضهم وقال لهم : أنتم تعلمون أن صلاح الدين كان يخاف أن يجتمع بنور الدين ، والآن فقد زال ذلك الخوف وإذا طلبناه إلى بلادكم لا يمتنع ، فعلموا صدقه وصالحوه ، وتكلموا في الهدنة وحصلوا بقطيعة استعجلوها واستطلقوا عدة من أساراهم وتمت المصالحة . وفي تهديد ابن المقدم للفرنج بصلاح الدين أعظم دليل على مكانته في قلوب رجال الدولة وأن الصليبيين عرفوا أنهم ابتلوا بداهية لا يقل عن نور الدين بحسن تدبيره وشجاعته . بلغ صلاح الدين ما تم بين ابن المقدم والفرنج فأنكره ولم يعجبه ، وكتب إلى جماعة الأعيان كتابا يقوعهم فيه ويلومهم ، ويقول إنه تجهز وخرج وسار أربع مراحل ثم جاءه الخبر بالهدنة المؤذنة بذل الإسلام فعاد إلى مقره . وقد « استصغر أمر أهل الشام وعلم ضعفهم » وقال : « إن استمرت ولاية هؤلاء تفرقت الكلمة المجتمعة ، وضاقت المناهج المتسعة ، وانفردت مصر عن الشام » . قال ابن شداد : لما تحقق صلاح الدين وفاة نور الدين وكون ولده طفلا لا ينهض بأعباء الملك ، ولا يستقل بدفع العدو عن البلاد تجهز للخروج إلى الشام إذ هو أجلّ بلاد الإسلام . وقد كان صلاح الدين ينوي أن يتولى تربية ابن مخدومه نور الدين وكتب : « إن الوفاء إنما يكون بعد الوفاة ، والمحبة إنما تظهر آثارها عند تكاثر أطماع العداة » . ولكن الأمراء في الشام أخذ كل منهم يعمل على شاكلته ، ويريد أن يستأثر بالأمر دونه وهو أحق منهم وأولى .