محمد كرد علي
78
خطط الشام
ولما أنفذ أبو بكر الأمراء إلى الشام كان فيما أوصى به يزيد بن أبي سفيان وهو مشيع له : إذا قدمت على أهل عملك فعدهم الخير وما بعده ، وإذا وعدت فأنجز ، ولا تكثر عليهم الكلام ، فإن بعضه ينسي بعضا ، وأصلح نفسك يصلح الناس لك ، وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرم مثواهم ، فإنه أول خيرك إليهم ، وأقلل حبسهم حتى يخرجوا وهم جاهلون بما عندك ، وامنع من قبلك من محادثتهم ، وكن أنت الذي تلي كلامهم ، ولا تجعل سرّك مع علانيتك فيمرج أمرك ، وإذا استشرت فاصدق الخبر تصدق لك المشورة ، ولا تكتم المستشار فتؤتى من قبل نفسك ، وإذا بلغتك عن العدو عورة فاكتمها حتى توافيها ، واستر في عسكرك الأخبار ، وأذك حراسك ، وأكثر مفاجأتهم في ليلك ونهارك ، وأصدق اللقاء إذا لقيت ، ولا تجبن فيجبن من سواك . وقد شيع أبو بكر يزيد بن أبي سفيان راجلا إلى ما بعد ربض المدينة فقال له يزيد : إما أن تركب وإما أن أنزل . فقال : ما أنت بنازل وما أنا براكب . إني احتسب خطاي هذه في سبيل اللّه ثم قال : إنك ستجد قوما حبسوا أنفسهم للّه فذرهم وما حبسوا أنفسهم له يعني الرهبان . وستجد قوما فحصوا « 1 » عن أوساط رؤوسهم فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف . ثم قال : إني موصيك بعشر : لا تغدر ، ولا تمثّل ، ولا تقتل هرما ولا امرأة ولا وليدا ، ولا تعقرن شاة ولا بعيرا الا ما أكلتم ، ولا تحرقن نخلا ، ولا تخربن عامرا ، ولا تغلّ « 2 » ولا تجبن . وصل الجيش العربي إلى مشارف الشام فنزل في آبل وزيزاء والقسطل ، وكان جيش الروم من دون زيزاء بثلث . وطلع ماهان قائد الروم وقدم قدامه الشمامسة والرهبان والقسيسين يحضون جيش الروم على القتال . وكان هرقل وهو من عظام القواد أدرك الخطر ورأى لما أتاه الخبر بقرب جيش العرب أن لا يقاتلهم وأن يصالحهم . وقال لقومه : فو اللّه لأن تعطوهم نصف ما أخرجت الشام وتأخذوا نصفا وتقرّ بكم جبال الروم خير لكم من
--> ( 1 ) حلقوا وسطها . ( 2 ) الغلول : الخيانة في المغنم .