محمد كرد علي

76

خطط الشام

كريمكم ويعفو عن مسيئكم ، ومن ائتمر في بني حبيبة وأهل مقنا من المسلمين خيرا فهو خير له ، ومن أطلعهم بشر فهو شر له ، وليس عليكم أمير إلا من أنفسكم أو من أهل بيت رسول اللّه وكتب علي بن أبي طالب في سنة 9 . وفي السنة الحادية عشرة ضرب الرسول على الناس بعثا إلى الشام أيضا وأمر عليه أسامة بن زيد ندبه إلى البلقاء وأذرعات ومؤتة ثائرا بأبيه ولأسامة يومئذ ثماني عشرة سنة . وفي رواية أن الرسول أمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم ، وأن يبلغ يبنى وأشدود من أرض فلسطين ، وقيل : أمر أن يوطئ من آبل الزيت بالأردن من مشارف الشام ، ودعا الرسول عليه السلام أسامة بن زيد فقال : « سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل ، فقد وليتك هذا الجيش فاغر صباحا على أهل يبنى وحرّق عليهم ، وأسرع السير تسبق الأخبار ، فإن ظفرك اللّه فأقلل اللبث فيهم وخذ معك الأدلاء وقدم العيون والطلائع أمامك » . وبينا الناس يتأهبون للغزاة ابتدأ الرسول شكواه التي قبضه اللّه عز وجل فيها . وكان يقول في علته : جهزوا جيش أسامة . ثم سار أسامة إلى يبنى فشنّ عليها الغارة وقتل قاتل أبيه ولم يصب أحد من المسلمين . وبلغ هرقل وهو بحمص ما صنع أسامة فبعث رابطة يكونون بالبلقاء ، فلم تزل هناك حتى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر . فأول غزوات الشام دومة الجندل والثانية مؤتة والثالثة ذات السلاسل والرابعة تبوك والخامسة آبل الزيت وجملة غزواتهم سبع غزوات . وكلها مقدمات لفتح هذا القطر وأمر قطعي من صاحب الرسالة إلى أصحابه بأن يكملوا العمل الذي وضع أساسه بنفسه الشريفة . عن سلمة بن نفيل الحضرمي قال : فتح اللّه على رسول اللّه فتحا فأتيته فدنوت منه حتى كادت ثيابي تحس ثيابه فقلت : يا رسول اللّه سيبت الخيل وعطلوا السلاح وقال : قد نفيل وضعت الحرب أوزارها فقال رسول اللّه : كذبوا الآن جاء القتال الآن جاء القتال ، لا يزال اللّه يزيغ قلوب أقوام تقاتلونهم ويرزقكم اللّه عز وجل منهم حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك وعقر دار الإسلام بالشام .