محمد كرد علي

70

خطط الشام

وكان الفرس قبل الهجرة النبوية بثماني سنين فتحوا الشام ( سنة 613 - 614 م ) فدافع هرقل عنها سنة 626 وانتصر على كسرى ولكنه فقد بانونيا ودلماسيا من أجزاء مملكته ، سقطتا في أيدي الخرواتيين والصربيين وخوى نجم المملكة وساء طالعها وظهرت عليها أعراض الانحطاط ، فارتأى هرقل أن يلقي بقياده إلى البطريرك سرجيوس القائل بطبيعة واحدة ومشيئة واحدة في المسيح ( عليه الصلاة والسلام ) . وكانت النصرانية تشعبت إلى مذاهب مختلفة كنحلة النساطرة واليعاقبة ، ويكره جميع أرباب هذه المذاهب حكومة الروم وكانت تضطهدهم باسم المذهب الأرثوذكسي وعداوتهم لها تزيد على الأيام تأصلا . كانت مصر والشام من جملة الأقطار التي تحاول الانفصال عن بيزنطية وشغل الإمبراطور وشعبه بالمسائل الدينية والخلافات المذهبية ، فأخذ ينظر إلى غارات العرب نظر العاجز الضعيف ، وزاده ضعفا شيخوخته واستسلامه لرجال الدين ، مع أنه كان على ضعف إرادته شجاعا عاملا بعيد النظر . وما حال ملك ينخر جسمه سوس الفساد في الداخل ، وهل لمن ضعف جسمه واختلت قواه أن يرسل نظره إلى القاصية فيتقيها وهو على اتقاء ما لديه من المنهكات أعجز ؟ فلا عجب أن أصبحت أحوال الشام من أشد ما يكون ملاءمة لفتوح العرب في تلك الحقبة من الزمن ، وأسباب الظفر موفورة لهم من كل وجه . هذا وخزائن هرقل فارغة ، ومرتبات الأمير الغساني التي كانت الدولة تجريها عليه منقطعة . والنفوس في الشام مستاءة من المظالم والمغارم ، سئمت الحروب والغارات وهي عرضة لمطامع الفرس أو سوء إدارة الروم ، والناس يتحدثون بقرب انفراج الأزمة على أيدي الفاتحين من العرب ، وكان يبلغهم من أخبار عدلهم ما تثلج له الصدور ، وتود لو ترى قبل ساعة طلعة الدولة الجديدة التي أتت من الأعمال ما صعب على الفاتحين أن يأتوا مثله في باب العدل والرحمة والتسامح .