محمد كرد علي
54
خطط الشام
سبي بابل وسميت في العهد القديم يهوذا ، وفي العهد الجديد قد تطلق اليهودية على جميع فلسطين وعلى بعض أرجاء شرقي الأردن ، ويرى المحققون أن اليهودية كانت تشتمل غربي الأردن وجنوبي السامرة . الفينيقيون واستقلالهم التجاري : ولم تكن مملكة إسرائيل بعمرانها وقوتها مثل مملكه فينيقية الصغيرة التي قامت في أرض الشام واشتهرت أكثر من غيرها من الدول الشامية ، لأنها كانت دولة بحرية على جانب من الحضارة المقتبسة عن المصريين والأشوريين والبابليين ، ومعرفة زائد ، بطرق البحار والتجارة في القاصية ، فكان الفينيقيون في عهد عظمتهم كالبنادقة في القرون الوسطى ببحريتهم واتساع تجارتهم ، أو البريطانيين في القرنين الأخيرين بأساطيلهم وتجاراتهم ، مع مراعاة النسبة بين الأقطار والعصور . والفينيقيون من القبائل السامية التي نزلت أرض آرام أي الشام ، وإقليمهم ضيق النطاق طوله خمسون فرسخا وعرضه من ثمانية إلى عشرة فراسخ بين بحر الشام وأعلى سلسلة في جبل لبنان ، وتدخل فيه صور وصيدا وأرواد وجبيل وبيروت ، ومنهم من أدخل فيه البترون وطرابلس . ولم تكن فينيقية مملكة قائمة برأسها بل كان لكل ناحية مدينة صغيرة تستقل بها ، ولها مجالس وملك تحكم نفسها بنفسها ، وتبعث بنوابها إلى أعظم مدينة فينيقية لفض المصالح المشتركة . وكانت صور محط رحال النواب منذ القرن الثالث عشر ، ولما لم يكن الفينيقيون أمة حربية خضعوا لسطوة الفاتحين من المصريين والأشوريين والبابليين والفرس وأدوا إليهم الجزية عن يد وهم صاغرون . هذا رأي سنوبوس وقال مسبيرو : إن تحوتمس الثالث تعب في إخضاع بعض الفينيقيين وقد استكانت مدائن الوسط والجنوب وهي جبيل وبيروت وصيدون وصور من غير قتال ، وأخلص أهلها الطاعة لمواليهم الأجانب إلى ما بعد رعمسيس الثاني وكان هذا عين الحكمة والصواب . فقد ترتب على رضاهم بالعبودية أن توصلوا إلى احتكار جميع تجارة مصر مع أمم آسيا والبحر المتوسط ثم نالوا استقلالهم في أواسط القرن الثاني عشر قبل