محمد كرد علي

34

خطط الشام

احتفظت بأسابها العربية ولم يدخلها دم جديد كسكان الشوف ووادي التيم وجبل حوران وجبال الكلبية . وما طول القامات واتساع الصدور ومتانة العضلات والجملة العصبية والأدمغة في الأفراد إلا أدلة ناصعة على ما ورثه الشاميون من الدم العربي . وفي الشام جميع الأمزجة يكثر الدمويون مثلا في داخل القطر كالقدس ونابلس وصفد ودمشق وحمص وحماة وحلب وأنطاكية ، كما يكثر الصفراويون العصبيون في يافا وحيفا وصيدا وبيروت وطرابلس واللاذقية والإسكندرونة من مدن الساحل . وإن ما في تركيب أدمغة السوريين من أشكال الرؤوس كالشكل البيضوي المستطيل المعروف عند الإفرنج ب ( دوليكوسفال - Dolichoce ? phale ) الشكل المدور المنبسط المعروف ب ( براكيسفال Brachyce ? phale ) ليدل كل الدلالة على مبلغ الشاميين من الذكاء والمضاء فقد قال فوليه : إن اتساع الجبهة يشعر باستعداد الحواس العقلية ، وامتداد القذال ينم عن استعداد للشهوات الجسمية . وفي وجوه السوريين تقرأ بعض أصولهم القديمة وما امتزجت به من الدم الحديث فسود الشعور والعيون والبشرة إجمالا هم من أصل عربي ، وشقر الشعور وزرق العيون وبيض البشرة فيهم الدم القافقاسي . وفي تراكيبهم دم العبيد والزنوج كما فيهم دم العرق الأبيض . قال جلابرت : إذا فحصت الصور المكتشفة في صيدا تحققت أنه كان يدخل في خدمة السلوقيين رجال من كل فج وصوب ، منهم يونان كأهل لقديمونة واقريطش ، ومنهم أسياويون كأهل قارية وبيسيدية وليقية وليدية ، وإن العقل ليحار باختلاط كل هذه الجنسيات في جيوش السلوقيين . وسكان الحولة وأريحا والغور ويقال لهم الموارنة لا يشبهون بالطبع سكان اللبنانين الغربي والشرقي وجبال اللكام لمكان الهواء واختلاف البعد والقرب عن سطح البحر . وابن ضفاف العاصي وبردى ليس في طبيعته كالنازل على ضفاف الأردن والفرات . والاختلاف ما بين من نزل البطون وبين من نزل الحزون وبين من نزل النجود وبين من نزل الأغوار مشهود في كل أمة ، ومع هذا تساوى سكان هذا القطر من حيث الجملة كما قال الجاحظ في العرب : « في التربة وفي اللغة والشمائل ، وفي الأنفة والحمية ،