محمد كرد علي

280

خطط الشام

العلوي أن تبقى له الديار المصرية ولو ذهب الشام بما فيه ، ولذلك كان الفاطميون ينجدون الشام في الأحايين لأول عهد دخول الفرنج إليه إنجادا ضعيفا ، وأكثر نجداتهم وحملاتهم لم تثمر الثمرة المطلوبة بل خففت جزءا صغيرا من الشر مدة ، وقوّى ذلك قلوب بعض أهل الأرجاء المحصورة ، ونفّس خناقهم ، وأوهمهم أن وراءهم قوة الفاطميين عند مسيس الحاجة يستصرخون بها فتنجدهم . والحقيقة أن الفاطميين على قوتهم من العدد والعدد لم يستطيعوا أن يذبوا حقيقة عن عسقلان ، ولا عن صور وصيدا وبيروت وطرابلس دع الأصقاع الأخرى ، وإذا عرفنا أن الدولة الفاطمية كانت في أواخر أيام ضعفها هان علينا أن لا نطلب منها أن تعمل عمل الشباب . وقد أنجدت الدول المجاورة الشام نجدات مهمة على بعد المدى وقلة المواصلات . وأبلى جند التركمان والأكراد مع عرب الشام والموصل البلاء الحسن في هذه السبيل ، ولكن كانت القوى الصليبية عظيمة جدا لا قبل لهم بدفعها ، فكان موقف المسلمين على الأغلب موقف المدافع لا المهاجم ، وكان لأمراء التركمان في هذا الدور غيرة شديدة في الجهاد ، ولم يكن داخلهم الفساد الذي يدخل على البيوت والدول ، ولو كانت الآراء متجهة إلى مقصد واحد لاستطاع المسلمون أن يدفعوا الفرنج عن هذا القطر على كثرة جيوشهم الجرارة قبل أن يتأصلوا فيه ، ويطلعوا على مبلغ قوات أمرائه ، ويتعلموا بحكم المجاورة ما كان ينقصهم من أصول الحرب ، وبعض الصناعات وأعمال المدنية التي وجدوها في الشام يومئذ على حصة موفورة ، فاقتبسوها ونقلوها بعد إلى أممهم غنيمة نافعة من الشرق . وقد حرص الفرنج أن يستولوا على قرى حلب والبقاع وحوران والسواد والبلقاء في الأكثر ليتقووا بغلاتها لأن معظم القرى في فلسطين كانت ساحات حرب لا تقوم بإطعام جيوشهم . وكان الفرسان في حصون الفرنج يملكون القرى ويجبون الأموال من أهلها الأصليين ، ويسلبون قوافل المسلمين . وفي التاريخ العام : « كانت الحرب في الشرق كما هي في الغرب تجارة رابحة ، يقوم فرسان الفرنج ويغزون أرض المسلمين ، وينهبون