محمد كرد علي
275
خطط الشام
المسلمين ، وفيهم جيش دمشق على قلعة عزاز ، وتفرق المسلمون بعد قتل من قتل وأسر من أسر . قلنا : إن الفرنج ملكوا مدينة صور ( 518 ) بالأمان بعد حصار طويل ، وكانت للخلفاء العلويين أصحاب مصر ، وقد ثبت أهل صور نحو خمس وعشرين سنة على قتال الفرنج مع قلة المنجد لهم من مصر ، يقول ابن تغري بردي : إن سبب سقوط صور خروج سيف الدين مسعود منها ، وكان قد حمل إلى مصر وأقام الوالي الذي بها في البلد ، وهذه زيادة في النكاية للمسلمين من صاحب مصر فإن سيف الدين المذكور كان قائما بمصالح المسلمين ، وفعل ما فعل مع الفرنج من قتالهم وحفظ سور المدينة هذه المدة الطويلة ، فأخذوه منها غصبا ودخلوا البلد مع من لا قبل له بمحاربة الفرنج ، فكان حال المصريين في أول الأمر أنهم تقاعدوا عن نصرة المسلمين والآن بأخذهم سيف الدين من صور صاروا نجدة للفرنج . وكانت صور آخر ما ملكه الفرنج من الساحل . وفي سنة 518 ملك آق سنقر البرسقي حلب وقلعتها وسبب ذلك أن الفرنج لما ملكوا مدينة صور ، طمعوا وقويت نفوسهم ، وتيقنوا الاستيلاء على الشام كله ، ثم وصل إليهم دبيس بن صدقة صاحب الحلة فأطمعهم طمعا ثانيا لا سيما في حلب وقال لهم : إن أهلها شيعة وهم يميلون إليّ لأجل المذهب ، فمتى رأوني سلموا البلد إليّ ، وبذل لهم على مساعدته بذولا كثيرة ، وقال : إنني أكون ههنا نائبا عنكم ومطيعا لكم ، فساروا معه إليها وحصروها وقاتلوا قتالا شديدا ، ووطنوا نفوسهم على المقام الطويل . وأخذ الفرنج في بناء بيوت لهم ظاهر حلب فعظم الأمر على أهلها ، ولم ينجدهم صاحبها تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق لإيثاره الدعة والرفاهة ، فكاتب أهل حلب آق سنقر البرسقي صاحب الموصل فسار إليها ، فأجفل الفرنج منهزمين ، ثم صلحت أحوال حلب وعمرت أعمالها بعد أن حاصرت مدة ولقي أهلها شدة حتى أكلوا الميتة ، ولم يكن عندهم أمير ، وإنما تولوا حفظ الأمن بأنفسهم وأبلوا بلاء حسنا حسنت به العاقبة . وأخذ البرسقي