محمد كرد علي
20
خطط الشام
ستين قرنا في هذه البوتقة الجميلة مضافة إلى الأصول التي كانت فيها من قبل ونعني بهذه البوتقة الديار الشامية . العناصر القديمة والعرب : كل أمة عظيمة عرفت في الشام طال عمرها بضعة قرون ثم فنيت في غيرها وأدغم الضعيف في القوي وتمثل المغلوب في الغالب مع توالي الأيام والليالي . وهكذا يقال في السريان والعبران واليونان والرومان . ويمكن أن يقال في الجملة إنه كان في الشام منذ القرن السادس عشر قبل الميلاد شعوب كثيرة أهمهم الكنعانيون النازلون في الجنوب والوسط والشمال والآراميون ، وما وراء ذلك من الشمال يسكنه الحثيون . ولم تطل حياة عنصر في صحة بالشام كما طالت حياة العرب فإنهم فيها على أصح الأقوال منذ زهاء الفين وخمسمائة سنة وأوصله بعضهم إلى نحو أربعة آلاف سنة ، وهم الذين اندمج فيهم عامة الشعوب القديمة واستعربت فلم تعد تعرف غير العربية لسانا ومنزعا . ولذلك كان من المعقول أن يدلّ الشامي بعربيته أكثر من إدلاله بفينيقيته وروميته وسريانيته وعبرانيته . وفي تاريخ فلسطين أن العرب دخلوا فلسطين قبل الإسلام بقرون . والدليل أن نرحم سين ابن سرجون غزا فلسطين سنة 3800 ق . م . وصادف في سينا حكومة عربية ثم حارب قبيلة معان العربية وأسر أميرها ، وقد ظهر من آثار بابل ما يثبت ذلك . ومنها أن سرجون الثاني غزا عرب البادية الذين اعتدوا على السامرة وأخضع قبائلهم ومنها ثمود ومدين ومساكنهم شرقي الأردن وحارب عباديد وأخذ منهم طائفة وأسكنها في السامرة . ولما جاء الإسكندر إلى غزة وحاصرها كانت حاميتها عربا فقاومته أشد مقاومة ، ومنها أن أحد تلامذة المسيح بشر بلغات عديدة منها اللغة العربية كما ورد في أعمال الرسل ، ومنها أن الحارث حاكم دمشق كان عربيا لما دخلها بولس الرسول كما ورد في رسالته إلى أهل مدينة كورنثوس ، ومنها أن تيطس لما جاء لفتح القدس كان معه الحارث ملك العرب يقود فرقة عربية ، ومنها أن هركانوس المكابي التجأ إلى الحارث ملك العرب فأنجده وساعده على أخيه