محمد كرد علي
268
خطط الشام
تل باشر إلى حلب وعاثوا في أعمالها وفعلوا أقبح من فعل الفرنج ، ووصل إليهم في حلب صاحب دمشق ومعه رجال حمص وحماة ورفنية وسائر المعاقل الشامية ، فلم ير منهم عزيمة صادقة في جهاد ولا حماية بلاد ، واستجرهم إلى المعرة فظهر له من سوء نية المتقدمين فيه ما أوحشه منهم ، وجعل يحرضهم على قصد طرابلس فلم يفعلوا وتفرقوا أيدي سبا ، فلما علم الفرنج برحيل العساكر نزلوا أفامية وفي رأسهم أصحاب القدس وطرابلس وأنطاكية ، وقد صاروا بعد التباين والمنافرة والخلف يدا واحدة على المسلمين ، وكانت خيل هؤلاء مثل الفرنج إلا أن راجلهم أكثر ، وناوشوا الفرنج على غير طائل . غارات المسلمين وغارات الصليبيين : وملك فرنج أنطاكية حصن الأثارب وقتلوا منه ألفي رجل وأسروا الباقين ، ثم ملكوا زردنا ففعلوا كذلك وقصدوا منبج وبالس فوجدوهما خاليتين فعادوا أدراجهم . ووقع الخوف في قلوب أهل الشام من الفرنج ، فبذل لهم المسلمون أموالا وصالحوهم ، صالحهم صاحب حلب على اثنين وثلاثين ألف دينار ، وأهل صور على سبعة آلاف دينار ، وصاحب شيزر على أربعة آلاف دينار ، وصاحب حماة على ألفي دينار . وذلك لأن الفرنج امتنعوا من مهادنة ملوك الشام إلا على قطيعة يأخذونها إلى مدة يسيرة . ولو كان ملوك الشام إذ ذاك على شيء من الوحدة في الرأي ، لما أقطعوا الفرنج القطائع ، ولما هادنوهم ، خصوصا وقد خرق الفرنج مرات قانون المهادنات والموادعات ، وبعض المنكرين يعذرونهم على عملهم الفظيع في تلك العصور لأنهم كانوا دون المسلمين في كل أمر من أمورهم العلمية والحربية والاجتماعية . وفي هذا العقد ( 505 ) جهز السلطان محمد عسكرا ، فيه صاحب الموصل وغيره من أصحاب الأطراف إلى قتال الفرنج بالشام ، فساروا ونزلوا على الرها فلم يملكوها ، ووصلوا إلى حلب فخافهم صاحبها ولم يفتح لهم أبوابها ، ثم ساروا إلى المعرة وتفرقوا . وفيها أنجد صاحب