محمد كرد علي
266
خطط الشام
دمشق إلى الرقة وقلعة جعبر وقطع الفرات ، وتلوّم هناك إلى أن عرف خبر الفرنج وأنهم قد أحجموا عن العبور لتفرق سرايا العساكر الإسلامية وطلائعهم في عامة المسالك إلى الفرات . ولما أدرك المسلمون قرب الفرنج منهم اتفقت الآراء على الإفراج لهم ليتمكنوا من لقائهم في الفضاء من شرقي الفرات ، ورحلوا عن الرّها ونزلوا أرض حران مكرا وخديعة ، ففطن الفرنج لهذا التدبير فأجفلوا ناكصين على الأعقاب إلى شاطىء الفرات ، فنهض المسلمون في أثرهم وغنموا سواد الفرنج وأثقالهم ، وأتوا على العدد الدثر من أتباعهم قتلا وتغريقا في الفرات . وفي هذه الأيام تأكدت أسباب الألفة بين صاحب دمشق وملوك الشمال . لما تفرقت العساكر الإسلامية أغار بغدوين على الرها ، وكانوا رتبوا فيها جماعة من الأرمن لحفظها ، وبلغ ذلك صاحب حلب وما أصاب الفرنج من الهزيمة فاستعاد ما كان غلب الفرنج عليه وآغار على أنطاكية . ثم جاء الفرنج عقيب ذلك فأفسدوا في أعمال حلب وقتلوا وأسروا خلقا كثيرا . وعاد طنكري على الأثارب وملكها بعد طول حصارها كما ملك زردنا ، واستقرت الموادعة بعد ذلك بين صاحب حلب وطنكري على أن يحمل إليه الأول من مال حلب كل سنة عشرين ألف دينار وأن يفك الأسرى . ووصل بعض ملوك الفرنج في البحر في نيف وستين مركبا مشحونة بالرجال لقصد الحج والغزو في ديار الإسلام ، فاجتمع مع صاحب بيت المقدس ونزلا على صيدا وضايقاها برا وبحرا ، فلما عاين من بصيدا ذلك ضعفت نفوسهم وأشفقوا أن يصيبهم ما أصاب بيروت ، وقد قتل الفرنج يوم أخذوها واليها وأعيانها ، فخرج إليهم قاضيها وجماعة من شيوخها وطلبوا الأمان ، فأمنهم فاستحلفوه على ذلك ، وخرجت الحامية وخلق من أهلها إلى دمشق ، وقرر بغدوين على من أقام بها نيفا وعشرين ألف دينار فأفقرهم واستغرق أموالهم . وأغار بغدوين على عسقلان ( 504 ) ، وكان صاحبها شمس الخلافة يراسله ، فاستقرت الحال بينهما على مال يحمله إليه ويرحل عنه ، وانتهى