محمد كرد علي

239

خطط الشام

أول جمهورية عربية ومقتل آخر أمير عربي : وفي سنة 472 انقضت دولة بني مرداس بحلب ، وكان قصدها تتش ابن آلب أرسلان فحاصرها أربعة أشهر ونصفا ، ثم رحل عنها فنازلها مسلم ابن قريش صاحب الموصل ، وتعهد لملكشاه السلجوقي أن يحمل إليه كل سنة ثلاثمائة ألف دينار فكتب له تقليدا ، وعادت رياستها شورى في مشيختها وطاعتهم لمسلم بن قريش . ومعنى أن حلب أصبحت رياستها شورى في مشيختها أن الحلبيين لما نفضوا أيديهم من حام يحمي بلدهم ألفوا جمهورية من شيوخهم أدارت شؤونهم زمنا ، وجعلوا ملكهم صاحب الموصل . وذكر المؤرخون أن الحلبيين أحسنوا في هذه الحكومة ولم يختلفوا ونفذت قواعد العدل وستقر الأمر في نصابه . وسبب ميل الحلبيين إلى مسلم بن قريش أن تتش بن آلب أرسلان حصر مدينتهم المرة بعد المرة واشتد عليها الحصار ، فكان ابن قريش يواصلهم بالغلات وغيرها ، ولما دخلها حصر القلعة واستنزل منها سابقا ووثابا ابني محمود بن مرداس ، وأنفذ إلى السلطان يخبره بملك البلد ، وأنفذ مع الرسول شهادة فيها خطوط المعدلين بحلب بضمانها ، وسأل أن يقرر عليه الضمان ، فأجابه السلطان إلى ما طلب . وفي سنة 473 ملك جلال الملك ابن عمار قاضي طرابلس وصاحبها حصن جبلة . وكان ابن عمار غلب على تلك الأصقاع سنين وعجز والي الفاطميين بدر الجمالي عن مقاومته . وفي سنة 475 جمع تاج الدولة تتش جمعا كثيرا وسار عن بغداد وقصد بلاد الروم أنطاكية وما جاورها ، فلما سمع شرف الدولة صاحب حلب الخبر خافه فجمع أيضا العرب من عقيل والأكراد وغيرهم ، فاجتمع معه خلق كثير ، فراسل الخليفة بمصر يطلب منه إرسال نجدة إليه ليحصر دمشق فوعده بذلك . فلما سمع تاج الدولة الخبر عاد إلى دمشق وحصرها وقاتله أهلها ، وفي بعض الأيام خرج إليه عسكر دمشق وقاتلوه ، وحملوا على عسكره حملة صادقة فانكشفوا وتضعضعوا ، وانهزمت العرب وثبت شرف الدولة وأشرف على الأسر وتراجع إليه أصحابه . فلما رأى ذلك