محمد كرد علي
16
خطط الشام
خصائص الشام : قطر هذه مواهبه قامت فيه في الأزمان الغابرة النصرانية واليهودية . وانبعث من أرجائه مجد الإسلام ، فكان مباءة أول دولة عربية إسلامية ، ثم آوى اليه الشيع الغريبة من النحل والمذاهب التي لا مثيل لها في غيره ، كالدرزية والإسماعيلية والنصيرية والسامرة بل معظم المذاهب الإسلامية والنصرانية والإسرائيلية وتبلغ سبعة عشر مذهبا وجملة من العناصر القوية ذات المدنية التي استحالت عربا . رأى الشام طلعة موسى وعيسى من النبيين ، والإسكندر وابن الخطاب وخالد بن الوليد وموسى بن نصير ونور الدين وصلاح الدين وسليم وإبراهيم من الفاتحين . وعمر بن عبد العزيز والمأمون وابن تيمية من المجددين . وبختنصر وهولاكو وجنكيز وغازان وتيمور من المخربين ، وقلّ في الممالك كما قال كورتيوس ما اندمج فيه كثير من التواريخ في بقعة ضيقة كهذه . الشام مهوى أفئدة الشعوب النصرانية واليهودية ، ومجاز حجاج المسلمين إلى الأماكن الطاهرة القدسية والحجازية ، بل نقطة الاتصال القريبة بين آسيا وإفريقيا وآسيا وأوروبا ، بل بين القارات الثلاث القديمة آسيا وأوروبا وإفريقية ، وأجمل مصيف ومشتى للأقطار الحارة المجاورة كالحجاز والعراق ومصر . والشام في أواسط الأقطار التي يتكلم أهلها بالعربية هو بلد الخيال والشعر ، والهمم العلياء واستقلال الفكر ، وأرضه أبدا باسمة طربة كسمائه : مصحة أبدان ونزهة أعين * ولهو نفوس دائم وسرورها مقدسة جاد الربيع بلادها * ففي كل أرض روضة وغديرها