محمد كرد علي

231

خطط الشام

دثرت تلك الطبقة الممتازة المختارة ، وخلف من بعدها خلف من القواد والرجال ليسوا في الأكثر على شيء من حسن السياسة والإدارة . إذا كان لهم جيش عظيم رهبهم الناس ، وإلا فالحكم للصعاليك والسلبة ، وهم أول الطامعين في السلطان ، العاملين على نقض بنيان الأوطان ، والناس بين مظلوم وظالم ، ومتخوف ومخيف . والمنافسة بين الأمراء على أشد حالاتها ، والشام مقسم الأجزاء بين كثيرين في سياسته الداخلية والخارجية ، مصر من الجنوب تشده ، وبغداد من الشرق تريد أن تسترده ، والطامعون فيه من الترك والتركمان والروم والقرامطة والعبيد والخدم والمماليك يسطون عليه فيدمرون عمرانه ، ويهلكون أهله وسكانه ، والناس في الواقع لا يعرفون لهم سيدا معينا لتفرق قلوبهم ، وتباين منازعهم . وصاحب حمص غير صاحب حلب ، وصاحب دمشق غير صاحب صور أو الرملة ، مملكة هذا حالها تموت بحكم الطبيعة ، ولا تستريح من الغوائل نحال . والجسم يعيش بروح واحد وتعدد الأرواح يستلزم تعدد الأجسام . بعد أن قتل القرامطة الباطنية أهل مدن برمتها من هذا القطر استنجد أهل أعظم مدينة فيه بهم ، فوافوا يجوسون خلال ديارهم لينقذوها من دولة الفاطميين المسلمين ، وبعد أن ثبت أن الروم هم أعداء الشام بلا مراء ، أصبح أمراؤه يستغيثون بهم على أبناء ملتهم ليصفو لهم ملكهم الذي يريدون أن يعيشوا فيه قيد الأسر لعدوهم الخارجي ، ويستكثروا من القصور والجواري والمماليك والحاشية والغاشية ليكون كل صاحب مقاطعة في أبهته كخليفة الوقت وزيادة . يسلبون نعمة الرعية لينعموا بما سلبوا ، كمن يحاول نقض أساس بيته ، يجمّل خارجه بإطار جميل ، أو يذهّب شرفته وجدرانه . وبينما كان العزيز الفاطمي يبثّ دعاته لنشر التشيع في الأقطار التي انضوت إلى علمه ، ويقتل هو وآله علماء المالكية لتشددهم في التسنن ، كان جمهور المسلمين غاضبين في مصر والشام لأنه وسد الأمر بمصر لرجل من الأقباط اسمه نسطورس ، وقلد أموال الشام لإسرائيلي اسمه منشا يجمعان الأموال ، يوليان أبناء نحلتهما الأعمال ، ويعدلان عن الكتاب والمتصرفين من المسلمين ، فعمد بعضهم في القاهرة إلى مبخرة