محمد كرد علي
229
خطط الشام
آخرة الفاطميين : كان على حلب عند هلاك الحاكم عزيز الدولة فاتك الوحيدي ، وقد استفحل أمره وعظم شأنه وحدث نفسه بالعصيان ، فلاطفته ست الملك عمة الظاهر لإعزاز دين اللّه وكفيلته ، وهي التي قامت بتدبير مملكة الفاطميين بعد مهلك الحاكم ، وساست الناس أحسن سياسة أربع سنين ، أعادت الملك فيها إلى غضارته وعمرت الخزائن بالأموال واصطنعت الرجال - فلاطفته وبعثت إليه بالخلع والخيل بمراكب الذهب وغيرها ، ولم تزل تعمل عليه حتى أفسدت غلاما له يقال له بدر فقتله وحفظ الخزائن ووهبت له جميع ما خلفه وقلدته حلب . ولو لم يقيض اللّه لملك الفاطميين مثل هذه السيدة بعد الأحوال التي تمت على عهد الحاكم لكان الانقراض إلى دولتهم قريبا جدا . ثم جاء ابنه الظاهر لإعزاز دين اللّه وكان حسن السيرة فرفع أيدي المتغلبين على الملك ، المتوثبين على سلطان الفواطم ، واستقام له الأمر مدة . أما أيام الخليفة المستنصر باللّه خامس خلفائهم الذي بقي في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر فقد كانت على هذا المنوال من التسرع في نصب العمال وصرفهم والشام تشكو وتئن ، والبؤس أكثر من السعادة ، والمتغلبة منذ الثلث الأول من القرن الرابع كل يوم في شأن ، تارة يقوم فيها مثل سيف الدولة الذي كان يلبس على علاته ، وتارة يقوم ابنه ومملوكه يستنجدان بالروم على المسلمين . ويرضيان بإعطاء الجزية لهم ، ويدلانهم على عورات الجيران ، بعد أن كان مؤسس دولتهم سيف الدولة يقاتلهم ، ويظهر لهم من الشمم حتى يوم هزيمته ما يبيض وجه العرب والمسلمين . كان الفاطميون زمن المعز والعزيز على جانب من القوة ، فتح المعز مصر فدخلها من الغرب في مئة وقيل في مئة وأربعين ألف مقاتل ، واستكثر من العساكر من كتامة وروم وصقالبة وبربر ومغاربة ، حتى قيل لم يطأ الأرض بعد جيوش الإسكندر بن فيلبس الرومي الكبير أكثر من جيوش المعز الفاطمي ، وربما فاقت بعددها الجيوش التي جمعها أبو الجيش