محمد كرد علي

224

خطط الشام

المهذب المعري أن خروج أرمانوس ملك الروم إلى حلب في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة ، وكانوا ستمائة ألف ، ومعه ملك البلغار وملك الروس والألمان والخزر والأرمن والبلجيك والفرنج وغنم المسلمون منهم ما لا يحصى وأسرت جماعة من أولاد ملوكهم . وفي قول ابن المهذب نظر . لأنّ هذا الجيش العظيم وهذه الأمم التي عدها يستحيل أن تسير مع ملك الروم إلا إذا كان دعاهم باسم حماية النصرانية في الأرض المقدسة ، ويستحيل أن تقترب منها أو أن تفتحها وفي الشام أمامها دول وإمارات . وملك الروم ( 422 ) قلعة أفامية ، وسبب ملكها أن الظاهر الفاطمي سير إلى الشام الدزبري وزيره فملكه ، وقصد حسان بن المفرج الطائي ، فألح في طلبه فهرب منه ودخل بلد الروم ، ولبس خلعة ملكهم وخرج من عنده وعلى رأسه علم فيه صليب ، ومعه عسكر كثير ، فسار إلى أفامية فكبسها وغنم ما فيها وسبى أهلها وأسرهم . وفي سنة 423 اجتمع في جبل السماق جماعة من الدرزية وجاهروا بمذهبهم وأخربوا المساجد ، وتحصن دعاتهم وكثير من عوامهم في مغاور شاهقة منيعة ، وقصدهم وانضوى إليهم خلق كثير من أهل نحلتهم ، وتوفر عددهم واستضاموا المسلمين المجاورين لهم من أهل بلدان حلب ، ووعدوا أنفسهم وأطمعوا عوامهم بقوة أيديهم وكثرة استيلائهم على الأعمال القريبة والبعيدة . فرأى قطبان أنطاكية مبادرتهم قبل تفاقم أمرهم وتخطيهم إلى الفساد والعيث ، ورسم لمن يجاورهم من طراخنته « 1 » قصدهم برجاله وأصحابهم ، فتلطفوا في أن قبضوا على دعاتهم وأماثلهم وقتلوهم ، وحاصروا باقيهم في تلك المغاور ، فنصبوا عليها القتال اثنين وعشرين يوما إلى أن التمسوا الأمان وخرجوا منها هاربين ، وتتبع الروم المسلمين في أعمالهم وأخذوهم واضمحلوا ودثروا . وهذه ثاني وقعة للدروز في الشام والوقعة الأولى في وادي التيم بعد قيام دعوتهم على عهد الحاكم بأمر اللّه الفاطمي .

--> ( 1 ) طرخان : اسم للرئيس الشريف في قومه ، والذي لا يؤخذ منه الخراج ، ومن يكون تحت يده خمسة آلاف رجل ، وهو دون البطريق والجمع طراخنة .