محمد كرد علي

194

خطط الشام

سعيدا مظفرا في حروبه ، جائرا على رعيته ، اشتد بكاء الناس عليه ومنه » . نعم كان سيف الدولة جائرا على رعيته يخرب قرية ليجيز شاعرا ، ولما تربع في دست الملك بحلب استكثر من القصور له ولآله وقواده ، وجعلها كحضرة بني العباس كعبة العلم والأدب ، فوافاه الشعراء والعلماء من الأقطار ، وكان كريما مفضلا خصوصا على مداحه . ينفق نفقات طائلة على علماء بغداد ومهاداة وزرائها وأرباب النفوذ فيها ، فكان حماته في دار الخلافة كثارا استمال بهم الرأي العام البغدادي ، فرضي الخلفاء ولم يخالفوه لأنه أبقى لهم الخطبة وإن ضرب السكة باسمه . ولقد استحل سيف الدولة للقيام بهذه الأبهة الضخمة في مملكته الصغيرة مصادرة رعيته ، فكان قاضيه أبو الحصين يقول : « كل من هلك فلسيف الدولة ما ترك » ولذلك كثرت مصادرة كل غني من التجار وغيرهم ، فخربت الأصقاع الشمالية في أيامه . وذكر المؤرخون أن أبا الحصين الرقي قاضي حلب قتل في إحدى المعارك ، فداسه سيف الدولة بحصانه وقال : « لا رضي اللّه عنك فإنك كنت تفتح لي أبواب الظلم » . على أن هذا لا ينجي سيف الدولة من المؤاخذة لأنه كان يتيسر له صرفه عن القضاء ، وليس أبو الحصين من أرباب العصبيات حتى يخافه . ومن كثرة مظالم سيف الدولة أن بني حبيب وهم أبناء عم بني حمدان ، كانوا ينزلون نصيبين « فأكبّ عليهم بنو حمدان بصنوف الجور ، حتى خرجوا بذراريهم في اثني عشر ألف فارس إلى الروم . وتنصروا بأجمعهم ، ثم عادوا إلى بلاد الإسلام على بصيرة بمضاره ، وعلم بأسباب فساده وقلوبهم تضطرم حقدا » على ما قال ابن حوقل ، وأخذوا يخربون القرى في الجزيرة والشام وأطمعوا صاحب الروم بأنطاكية وحلب . وكانت لسيف الدولة طرق غريبة في الرحمة ، من ذلك أنه سار مرة بالبطارقة الذين في أسره إلى الفداء ، وكان في أسر الروم ابن عمه أبو فراس وجماعة من أكابر الحلبيين والحمصيين فأخذ بالفداء ، ولما لم يبق معه من أسرى الروم أحد اشترى الباقين كل نفس باثنين وسبعين دينارا حتى نفد ما معه من المال ، فاشترى الباقين ورهن عليهم بدنته ( درعه ) الجوهر المعدومة