محمد كرد علي

131

خطط الشام

يقطع الدرب وينزل بعض حصون الروم ويكاتب ملكها ويجمع عليه رجاله وشيعته إلى أن يرتئي في أمره ، ولكن حمّ القضاء ولا رادّ لحكمه . دولة بني مروان وحسناتها : انقضت دولة بني مروان ، وكانت دولة عربية صرفة سارت مع المدنية أشواطا مع انشغالها بالفتح وقيام الخارجين عليها ، ولم يبطلوا في كل دور غزو الروم ، وكانوا على الأكثر يسبون ويقتلون ويغنمون ويخربون حصونهم ، والروم يغزون الشام وآسيا الصغرى وقد يصلون إلى أنطاكية ودلوك ( مرعش ) . وكان أكثر ملوك الأمويين من الحزم والعلم وحسن السياسة والإدارة على جانب عظيم ، والسواس منهم معاوية وعبد الملك وهشام ، وليس كالوليد في باب الاضطلاع بإقامة المصانع ، ولا مثل عمر ابن عبد العزيز في تطهير المملكة من المظالم وإحياء سنن العدل والمراحم ، ولا كسليمان ببعد النظر ، وما منهم إلا العالم والشاعر والخطيب والسياسي ، وقد فتحت عليهم الأقطار فنشروا فيها اللغة والدين على أيسر سبيل ، وهذا مما لم يوفق إلى مثله غيرهم ، ووضعوا أسس النظام في الممالك التي دوخوها وعرفوا ما يصلحها ، وكانت إرادتهم أشبه باللامر كزية في عهدنا ، يبعثون بالعامل فيحل المسائل باجتهاده على رأي أهل الشرف والمكانة في القطر الذي يتولاه ، ولا يفاوض مقر الخلافة إلا في عويص الأمور ، وقد نصب علم الأمويين الأبيض في المشارق والمغارب ، نصب في الصين كما نصب في بواتيه في فرنسا ، هذا وقد كثر المخلصون لدولتهم إلى أواخر أيامهم وقل المنتقضون عليهم المتوثبون على خلافتهم . للدول كما للأفراد أعمار طبيعية . وملك بني أمية لم يطل أكثر من ألف شهر كاملة لأنهم ملكوا تسعين سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة عشر يوما ، يوضع من ذلك أيام الحسن بن علي وهي خمسة أشهر وعشرة أيام ، وأيام عبد اللّه بن الزبير إلى الوقت الذي قتل فيه وهي سبع سنين وعشرة أشهر وثلاثة أيام ، فيصير الباقي بعد ذلك ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر . ذهب بنو أمية بالفضل في جمع الشمل ، ولولا قيامهم هذا القيام