محمد كرد علي
125
خطط الشام
سنتان وخمسة اشهر . وكانت سيرة عمر بن عبد العزيز مضرب الأمثال في القاصية والدانية ، وقدوة السلف للخلف في كل عصر ومصر . قال عمرو ابن ميمون : كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة . بعث عمر بن عبد العزيز وفدا إلى ملك الروم في أمر من مصالح المسلمين وحق يدعوه إليه ، فلما دخلوا إذا ترجمان يفسر عليه ، وهو جالس على سرير ملكه والتاج على رأسه ، والبطارقة عن يمينه وشماله ، والناس على مراتبهم بين يديه ، فأدى إليه ما قصدوا له فتلقاهم بجميل وأجابهم بأحسن جواب وانصرفوا عنه في ذلك اليوم ، فلما كان في غداة غد أتاهم رسوله فدخلوا عليه ، فإذا هو قد نزل عن سريره ووضع التاج عن رأسه ، وقد تغيرت صفاته التي شاهدوه عليها كأنه في مصيبة فقال : هل تدرون لما ذا دعوتكم ؟ قالوا لا : قال : إن صاحب مسلحتي التي تلي العرب جاءني كتابه في هذا الوقت أن ملك العرب الرجل الصالح قد مات ، فما ملكوا أنفسهم أن بكوا فقال : لا تبكوا له وابكوا لأنفسكم ما بدا لكم . فإنه قد خرج إلى خير مما خلف . قد كان يخاف أن يدع طاعة للّه فلم يكن اللّه ليجمع عليه مخافة الدنيا والآخرة . لقد بلغني من بره وفضله وصدقته ما لو كان أحد بعد عيسى يحيي الموتى لظننت أنه يحيى الموتى ، ولقد كانت تأتيني أخباره باطنا وظاهرا فلا أجد أمره مع ربه إلا واحدا ، بل باطنه أشد حين خلوته بطاعة مولاه . ولم أعجب لهذا الراهب الذي قد ترك الدنيا وعبد ربه على رأس صومعة ، ولكني عجبت لهذا الراهب الذي صارت الدنيا تحت قدمه فزهد فيها حتى صار مثل الراهب ، إن أهل الخير لا يبقون مع أهل الشر إلا قليلا . يزيد بن عبد الملك وهشام والوليد بن يزيد : تولى الخلافة يزيد بن عبد الملك تاسع الأمويين ، وقد لقب الوليد وسليمان ويزيد وهشام أبناء عبد الملك بالأكبش الأربعة ، ولم يل الخلافة من بني أمية ولا من غيرهم أربعة إخوة إلا هؤلاء . فعزل يزيد عمال عمر بن عبد العزيز جميعا وأعاد سب عليّ على المنابر ، ودام ذلك إلى