محمد كرد علي
94
خطط الشام
ولا يدخلون إلا بسلام ، يقفون على من حاربهم حتى يأتوا عليه . فقال : لئن كنت صدقتني ليرثنّ ما تحت قدميّ هاتين » . ولما انتصر المسلمون بفحل وقدم المنهزمون من الروم على هرقل بأنطاكية دعا رجالا منهم فأدخلهم عليه فقال : حدثوني ويحكم عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشرا مثلكم ؟ قالوا : بلى . قال : فأنتم أكثر أو هم ؟ قالوا : بل نحن . قال : فما بالكم ؟ فسكتوا ، فقام شيخ منهم وقال : ألا أخبرك إنهم إذا حملوا صبروا ولم يكذبوا ، وإذا حملنا لم نصبر ونكذب ، وهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويرون أن قتلاهم في الجنة وأحياءهم فائزون بالغنيمة والأجر . فقال : يا شيخ لقد صدقتني ولأخرجن من هذه القرية ومالي في صحبتكم من حاجة ، ولا في قتال القوم من أرب . فقال ذلك الشيخ : أنشدك اللّه أن تدع سورية جنة الدنيا للعرب وتخرج منها ولم تعذر . وما زال به حتى ثناه إلى المقام وأرسل إلى رومية وقسطنطينية وإرمينية وجمع الجيوش وقاتل العرب . وبعث أخو ملك الروم لما تراءى العسكران في اليرموك رجلا عربيا من قضاعة وقال له : ادخل في هؤلاء القوم فأقم فيهم يوما وليلة ثم ائتني بخبرهم فدخل في الناس رجل عربي لا ينكر فأقام فيهم ثم أتاه فقال : ما وراءك قال : هم رهبان بالليل فرسان بالنهار ، لو سرق ابن ملكهم قطعوا يده ، ولو زنى رجموه إقامة للحد . فقال صاحب جيش الروم : لئن كنت صادقا لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها . ومما أعانهم على تأييد سلطانهم تسامحهم مع أهل الذمة وحمايتهم لهم ؛ فكانوا كأنهم بين أهلهم وعشيرتهم ، لا يرهبون من وراءهم كما أنهم لم يرهبوا من أمامهم . روى البلاذري أن هرقل لما جمع للمسلمين الجموع وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك ردّوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج وقالوا : قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم ، فقال أهل حمص : لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم ، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم