محمد كرد علي

2

خطط الشام

أمم كثيرة في بلاد الغرب ، فاستفدت من تنقلي بعض ما عندهم من أسفارنا وآثارنا ، وقابلت عن أمم بين عمراننا وعمرانهم ، وجمودنا اليوم وحركتهم . رحلت إلى أوروبا ثلاث رحلات ، أبحث في دور كتبها عن المخطوطات التي يرجى أن يكون أصحابها قد تعرضوا لحوادث هذا القطر ، وزرت أصقاع الشام لأقابل بين حاضره وغابره ، ولما نسجت بأخرة ما جمعت ، قدمت له مقدمة في بيان ما تشترك فيه بلاد الشام عامة من المظاهر والأوضاع ، وسميته « خطط الشام » وأعني بالشام الأصقاع التي تتناول ما اصطلح العرب على تسميته بهذا الاسم ، وهو القطر الممتد من سقي النيل إلى سقي الفرات ، ومن سفوح طوروس إلى أقصى البادية ، أي سورية وفلسطين في عرف المتأخرين . ويراد بالخطط كل ما يتناول العمران ، والبحث في تخطيط بلد بحث في تاريخه « 1 » وحضارته . أول من صنف في الخطط واستقصى فيها على ما علمنا الحسن بن زولاق المصري ( المتوفى سنة 387 ) وقال المقريزي ( المتوفى في سنة 843 ) إن أول من صنف فيها أبو عمر بن يوسف الكندي ، ثم القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعي ( 454 ) والذي انتهى الينا كتاب خطط مصر للمقريزي المنوه به ، وهو أجمل مثال في باب الإجادة في التأليف . ولم نعلم أن أحدا من المتقدمين كتب على الشام وخططه ، وكتب بعض المتأخرين في موضوع خاص وبلد معين . وما خطط الشام في الحقيقة إلا زبدة الوقائع والكوائن ، وأخبار الصعود والتدلي ، والمظاهر الغريبة التي ظهرت بها هذه الديار ، في غابر الأعصار ، مقتبسا ذلك مما أبقته

--> ( 1 ) قال العلامة البيروني : التاريخ هي مدة معلومة من لدن أول سنة ماضية كان فيها مبعث نبي بآيات وبرهان ، أو قيام ملك مسلط عظيم الشأن ، أو هلاك أمة بطوفان عام مخرب ، أو زلزلة أو خسف مبيد ، أو وباء مهلك ، أو قحط مستأصل ، أو انتقال دولة ، أو تبدل ملة ، أو حادثة عظيمة من الآيات السماوية ، والعلامات المشهورة الأرضية ، التي لا تحدث الا في دهور متطاولة ، وأزمنة متراخية ، تعرف بها الأوقات المحددة ، فلا غنى عنه في جميع الأحوال الدنيوية والدينية .