لسان الدين ابن الخطيب

14

خطرة الطيف ( رحلات في المغرب والأندلس )

المغرب والأندلس ، فليس بمستبعد أن يكون ابن الخطيب قد زار هذه البلاد في شبابه سعيا وراء العلم والاتصال بعلماء عصره كما كان يفعل مواطنوه . وكيفما كان الأمر ، فالذي يعنينا هنا ، أن ابن الخطيب حينما تولّى الوزارة ، رافق سلطانه أبا الحجاج يوسف الأول في رحلته التفتيشية بمقاطعات غرناطة الشرقية عام 748 ه ، كذلك زار ابن الخطيب بلاد المغرب الأقصى كسفير لسلطان غرناطة في عامي 749 و 755 ه « 2 » ثم التجأ إليها مرّة ثالثة عندما نفي مع سلطانه المخلوع محمد بن يوسف بن نصر ، الغني بالله ، عام 760 ه . ولقد استمرّت مدّة النفي ما يقرب من الثلاث سنوات عاد بعدها ابن الخطيب مع سلطانه إلى مقر حكمه مرّة أخرى . على أن المهم هنا ، هو أن ابن الخطيب طوال مدّة النفي هذه ، لم يقبع في مدينة فاس عاصمة بني مرين كما فعل سلطانه وبقيّة الحاشية واللاجئون

--> ( 2 ) يجدر بنا أن نشير بصدد هذه السفارة الأخيرة ، إلى أن سلطان المغرب أبا عنان فارس ، دعا ابن الخطيب إلى حفل رياضي ليشاهد الحرب بين الثور والأسد ، على ما جرت به عادة الملوك . وقد وصف ابن الخطيب هذه المصارعة في إحاطته ج 2 ، ص 6 ، 7 ( طبعة القاهرة 1319 ه ) وقد أشار إلى أن هذا الصراع بين الوحشين قد انتهى بانتصار الثور وجرح الأسد . عندئذ خرجت طائفة من الرجال المسلحين أخذوا يناوشون الأسد الجريح إلى أن قتلوه بعد أن أردى بعضهم . يكن الصراع مع الوحوش قاصرا على المغرب ، بل كان منتشرا أيضا في الأندلس ومن العجيب أن ابن الخطيب في موضع آخر من كتاب الإحاطة ( نسخة الاسكوريال لوحة 441 ) يشير إلى انتشار مصارعة الثيران بين عليّة القوم من أهل غرناطة . وهذا أقدم نص وجدناه عن هذه المصارعة المشهورة الآن في إسبانيا وأمريكا اللاتينية . وكانت الطريقة كما يصفها ابن الخطيب هي أن يطلق الثور ( أو البقر الوحشي كما كان يسميه ) ثم تطلق عليه كلاب اللان المتوحشة ( Bulldogs ) ، فتأخذ في نهش جسمه وأذنيه متعلقة بها كالأقراط . وهذا العمل التمهيدي كان الغرض منه هو الحد من قوة الوحش وتهذيب حركته ، وهو ما يقوم مقامه اليوم عمل رماة السهام Banderilleros وطاعن الرمح Picador وذلك تمهيدا للقاء المصارع . وكان المصارع الغرناطي كما يصفه ابن الخطيب ، فارسا مغوارا يصارع الثور وهو ممتط فرسه المدرب ثم يقتله في النهاية برمحه . وهذا النوع من المصارعة لا يزال موجودا إلى اليوم ، ويسمّى الفارس المصارع باسم رخونيادور Rejoneador نسبة إلى الرمح القصير الذي يستعمله في قتل الثور واسمه رخون Rejon . وتنبغي الإشارة إلى أن هذا النص العربي القديم لم يرد ذكره في الموسوعة الكبرى التي ألّفها خوسيه ماريا قوسيو عن الثيران . انظر ( Jose maria Cossio : Los Toros , 3 Tomos )