عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام
23
خزانة التواريخ النجدية
ثم إن هذا الدين الذي منّ اللّه به على أهل نجد آخر هذا الزمان بعد ما كثر فيهم الجهل والضلال ، والظلم والجور والقتال ، فجمعهم اللّه تعالى بعد الفرقة ، وأعزهم بعد الذلة ، وأغناهم بعد السبلة ، وجعلهم إخوانا ، فأمنت به السبل ، وحيت السنة ، واستنار التوحيد بعد ما خفا ودرس ، وزال الشرك بعد ما رسى في البلاد وغرس ، وطفت نيران الظلم والفتن ، ورفعت مواد الفساد والمحن ، ونشر راية الجهاد على أهل الجور والعناد ، وكان فعلهم ذلك من يقول الشيء كن فيكون وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [ الأنبياء : 105 ] . وذلك بسبب من عمت بركة علمه العباد ، وشيد منار الشريعة في البلاد ، وقدوة الموحدين ، وبقية المجتهدين ، وناصر سيد المرسلين ، شيخ مشايخنا المتقدمين ، الشيخ الأجل ، والكهف الأظل ، محمد بن عبد الوهاب ، أحله اللّه تعالى فسيح جنانه ، وتغمده برحمته ورضوانه ، فآواه بأن جعل عز الإسلام على يديه ، وجاد بنفسه وما لديه ، ولم يخش لوم اللائمين ، ولا كيد الأعداء المحاربين محمد بن سعود وبنوه ، ومن ساعدهم على ذلك وذووه ، خلد ملكهم مدى الزمان ، وأبقاه في صالح عقبهم ما بقي الثقلان ، فشمر في نصرة الإسلام بالجهاد ، وبذل الجد والجهد والاجتهاد ، فقام في عداوته الأكابر والأصاغر ، وجروا عليه المدافع والقنابر ، فلم يثن عزمه ما فعل المبطلون ، وجاء الحق وظهر أمر اللّه وهم كارهون . ثم إن نفسي لم تزل تتوق لمعرفة وقايعهم وأحوالهم ، وصفة جيوشهم العرمرمية وقتالهم ، فإنهم هم الملوك الذين حازوا فضائل المفاخر ، وذل لهيبتهم كل عنيد من باد وحاضر ، ملؤوا هذه الجزيرة بإدمان سيف قهرهم ، كما ملؤوها بسيل عدلهم وبرهم ، واستبشرت بهم الحرمان الشريفان .