قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي
454
الخراج وصناعة الكتابة
فأني ان أصير إلى الحال التي أومأت إليها ، أفعل بك ما ينبغي ان يفعل بمثلك في تلك الحال . فقال معلمه : حقا أنك لتخيل بملك كبير ، وعلى ذلك تدل قريحتك والفراسة فيك . ثم لنرجع إلى حديثه الأول الذي كنا بدأنا به ، فلما رجع الإسكندر بعد موت أبيه ورجوع الملك اليه إلى دار مملكتهم وكانت في ذلك الوقت بمقدونية وهي بالقرب من المغرب ، ولم يكن بالقسطنطينية التي هي في هذا الوقت دار ملكهم . وبدأ في أول أمره باصلاح مملكته حتى أقامها على ما وجب اقامتها عليه من السنن العادلة والسير الفاضلة ، ثم عزم بعد ذلك على تدويخ الأرض ومجاهدة الملوك الضالين ، وكانت للفرس على اليونانيين إلى ذلك الوقت أتاوة ولم تزل يحملها ملوكهم في كل سنة ، فأخذ في منع دارا بن دارا ملك فارس كان على عهده منها وأقبل دارا يكاتبه بالوعيد الشديد ويتهدد معلمه التهدد الغليظ ، وينسب المشورة عليه بترك حمل الإتاوة اليه ، والإسكندر يجيبه عن كتبه بأنه لو علم حقا يوجب حمل الإتاوة لحملها ولم يمتنع منها ، ويدعوه إلى التوحيد وترك الكفر ، ويحضه على اتباع أمر اللّه والتسليم له واعتماد طاعته والتناهي عن مخالفته ، ويحذره عقوبته وسخطه ، إلى أن أحس دارا ذلك فدلف اليه وقصد حربه ومناجزته وصار إلى ديار ربيعة ، ما بين المدينة المسماة باسمه وأقبل الإسكندر نحوه مظهرا مجاهدته مخاطبا له بأنه ، ما يريد ماله ولا شيئا مما يملكه ، وانه انما يريد منه أن يقر بالتوحيد ، ويؤمن به ويدع الكفر وينزع عنه لينصرف عن حربه ، ويخلى بينه وبين مملكته . وأقبل دارا في جواب هذه المكاتبات يتعالى تعالي الجبارين ويتسطى تسطي الملوك المتعظمين ، إلى أن كان الظفر للاسكندر به ، فاستباح عسكره ، وتزوج روشك ابنته ، وأقبل إلى بلد بابل حتى دخله ووطئه ، واجتمعت ملوك الفرس من الآفاق اليه فأحسن عشرتهم ، واستعمل العدل في أمورهم ولم يهجم بسوء في شيء