قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي
451
الخراج وصناعة الكتابة
جوادا أن يجود على من تبلغ قدرة الجود على مثله . وكذلك الرذائل يجزيه إذا بلى بواحدة منها الا يعدوه عيب مما بلى به ، ولا يتخطاه أي غيره . وليس الملك كذلك لأنه لا يكفيه من العلم أن يكون معه منه ما يقوم بأمره حتى يقوم بأمر غيره ممن اليه تدبير شأنه . وكذلك فلا يجزيه في الأمانة أن يؤديها هو وحده ، حتى يؤديها أصحابه والمؤتمنون من قبله ، ويكونوا من الأمانة على مثل ما هو عليه . وكذلك في الشجاعة ولا يجزيه أن يقاوم قرنه حتى يدبر جيوشه تدبيرا يقوم معه كل واحد منهم أيضا بقرنه ، ويحمل كل واحد منهم نفسه . وكذلك في العدل يحتاج أن يفيضه هو ويفيض مثله أصحابه وكفاته . وكذلك جوده ] « 19 » يحتاج أن يكون أهم « 20 » من جود غيره وأشد احتياطا في أن يوضع مواضعه ، وعند مستحقه ولا يخلوا مستوجب له مما شكل نظيره منه ، وكذلك أيضا فليست عيوبه وما يبدو منه من قبيح أموره يخصه دون أن يفسد أحوالا كثيرة ، من الأمور التي يتصل به ، مما لا يشاكله فساد السوق ولا يقاربه . فلذلك لا يجب أن يكون موارد رأيه ومصادرها خارجة الا بعد أحكامها وتهذيبا من شوائب الزيغ والفساد ، ودواعي الهوى المبعد عن الصواب ، وهذه الحال فما أبعد تمامها للانسان وحده ، دون المشاورة والرجوع إلى ذوى الرأي والحنكة ، ومن قد هذبت العلوم الصحيحة رأيه وثقفت المعارف الحقيقية لبه ومن قد جرب التجربة المستوفاة لمثل ما يرجع فيه إلى رأيه ومعرفته ، وفي رجوع الملك إلى غيره من المشورات نفع ، ودفع للآفات وعوارض الخطأ والنكبات ، لان المستشار ينبغي أن يكون أولا : صحيح العلم في ذاته ، مهذب الرأي في نفسه . فما أكثر من العلماء من تكون آراؤهم معوجة ، ومقاصدهم مقاصد غير مستقيمة ، فإذا سلم المستشار من هذه الخلة كان
--> ( 19 ) هذه الفقرة لا توجد في نسخة س . ( 20 ) في س : أعم .