قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي
431
الخراج وصناعة الكتابة
الباب الرابع في السبب الذي احتيج إلى التناسل من أجله لما كان اللّه عز وجل بتصاريف حكمته المعجبة ، خلق الأشياء ، فمنها ما أبقاه وامهله إلى يوم الحشر ، ومنها ما جعله يموت ويبطل وما كان جعله يموت وينقرض لولا التناسل الذي قدره [ بلطفه ] « 1 » أنواع الحيوان كله . . . وزال ما قضى بقاءه منه ، إلى وقت افناء جمعيه ، فجعل تبارك وتعالى التناسل سبيا لاخلاق ، وكان المنقوص منه ومعيدا بدل الفاني ما يكون خلفا منه . ثم لما كان الانسان المميز فضلا عن سائر الحيوان الذي لا تميز له ، لو ترك واختياره لجار « 2 » فيه ، بل كان في الأكثر من فعله أن يختار ما يبعده عن الصواب ، ويهمل ما في فعله الحزم والانتفاع ، وعلم اللّه عز وجل ذلك في سائر علمه ، ولم يجعل التدبير إلى الانسان لا في وقت تغذية ، واستدعائه له الذي به قوام شخصه ، ولا في تناسله الذي به بقاء نوعه ، بل جعل له في استعمال ذلك مقتضيا عنيفا ان ذهب إلى التقصير فيه قاده اليه وبعثه كل البعث عليه ، وهو الجوع والعطش والشوق إلى النكاح ، حتى أن كثيرا من الناس المميزين ، يقتنون من النساء من لا يسأل له جمعهم ، أو أولو حصافة الرأي منهم ان ألم التصير عنهن أيسر من تكليف القيام بمصلحتهن ، فلمشيئة اللّه وارادته وتقصيه وما فيه عمارة العالم ومصلحته ، صار العامل في هذا الباب ممنوعا من رأيه مقودا نحو ما قضاه اللّه عليه ، واختاره له ، إذ كان تعالى لا تغالب قدرته ولا تدافع أقضيته سبحانه وتعالى جده وتقدس . فقد دللنا على السبب الذي من أجله احتاج الحيوان إلى التناسل بكلام وجيز فيه كفاية لمن كان ذا فهم .
--> ( 1 ) ليست في الأصل ، وأضيفت من س ، وجاءت في ت بالطافه . ( 2 ) في س : مجار وهو تصحيف .