شكيب أرسلان

مقدمة 7

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية

مقدّمة الناشر يشهد التاريخ ، قبل أن نلقي بشهادتنا هذه ، أنّ زمن الأمّة العربية ، في ما سلف من أيام ، كان زمن الدعوة والفتح والبسالة ونقل المعارف . فمن منّا يجهل زمن خلافة المسلمين للأندلس ، وآثارهم العظيمة لا تزال شاهدة شهود الشمس في وسط السماء ؟ ! آثارهم الجليلة التي إن دلّت على شيء ، فهي تدلّ على جامع ومدرسة وحركة نقل العلوم إلى أمم كانت لا تزال غارقة في بحر الجهل وسواد الانحطاط . الأندلس ، حفيظة عبد الرحمن الداخل ، صقر قريش ، التي لا تزال تضجّ بأنغام الماضي على وقع حوافر جيش جرّار اجتاح الأصقاع ليصلها بمكارم أخلاقه قبل سيفه ، وبعلمه وإسلامه قبل نصاله ، يقارع من خلالها عالما جديدا ، غريبا عنه ، فينتصر بحسن المسؤوليّة والتعاطي مع بني الإنسان ، على الرغم من تداعيات النهاية المؤلمة ودور الانحسار . هذا الموضوع الآسر اللافت كان مثار اهتمام الأمير شكيب أرسلان الذي وزّع اهتماماته على تاريخ المسلمين في الأندلس ، فجاء بالصورة الناصعة والخبر اليقين لينقل القرّاء إلى أروقة قصور بني الأحمر ومسجد قرطبة ، حيث كانت خليّة النحل تضجّ بالعلماء والفقهاء والمقعّدين ، فالتقط الأمير شكيب من هذا ما لذّ وطاب في ديوان تسجيله ورؤياه ، ونقله بكلّ أمانة ضمن مجلّدات ثلاث حملت عنوان « الحلل السندسيّة في الأخبار والآثار الأندلسيّة » ، والتي تفخر الدار التقدّمية أن تقدّمها إلى القارئ الكريم ، والباحث المجيد ، لتكون مرجعا هامّا من ذاك الجيل الغابر الذي أغنى الحضارة العالمية بحقبات تتّصل بيومنا هذا ، فنقرأ فيه ما مضى ، وقد نأسف وقد نترحّم ، ولكنّ الأهمّ هو ما أراده أمير البيان نفسه ، وهو أن نتعلّم من التجربة ، ونحمل من الدرس العبر . يقول الأمير شكيب أرسلان : « فإذا كان علم التاريخ ضرورة من ضرورات البقاء ، فضلا عن الارتقاء ، وشرطا من شروط اللحاق ، فضلا عن السباق ، فأيّة أمّة أجدر