شكيب أرسلان
238
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
معظم مبرور ، وقصدكم في الوفاء معروف مشكور ، وقدركم في ملوك النصرانية معروف
--> بعده فوقع الاجماع على اختياره للوزارة أوائل المحرم من عام أربعة وثلاثين وسبعمائة فرضى الكل به وفرحت العامة والخاصة للخطة لارتفاع المنافسات بمكانه ورضى الأضداد بتوسطه وطابت النفوس بالأمن من غائلته فتولى الوزارة وسحب أذيال الملك وانفرد بالأمر واجتهد في تنفيذ الأحكام وتقدم الولاة وجواب المخاطبات وقود الجيوش إلى ليلة الأحد الثاني والعشرين من رجب عام أربعين وسبعمائة فنكبه الأمير المذكور نكبة ثقيلة البرك هائلة الفجاة من غير زلة مأثورة ولا سقطة معروفة إلا ما لا يعدم بباب الملوك من شرور المنافسات ودبيب السعايات الكاذبة وقبض عليه بين يدي محراب الجامع من الحمراء إثر صلاة المغرب وقد شهر الرجال سيوفهم فوق رأسه يحفون به ويقودونه إلى بعض دور الحمراء وكبس ثقات السلطان منزله فاستوعبوا ما اشتمل عليه من نعمة وضم إلى المستخلص عقاره ( المستخلص هو في الأندلس الملك الخاص بالسلطان ) ثم نقل بعد أيام إلى قصبة المرية محمولا على الظهر فشد بها اعتقاله ورتب الحرس عليه إلى أوائل ربيع الثاني من عام أحد وأربعين وسبعمائة فبدا للسلطان في أمره واضطر إلى إعادته وفقد نصحه وأشفق لما عدم من أمانته وعرض عليه بالنوم الكف عن ضرره فعفا عنه وأعاده إلى محله من الكرامة وصرف عليه من ماله ما فقد وعرض عليه الوزارة فأباها واختار برد العافية وأنس لذة التخلي فقدم لذلك من سد الثغور فكان له اللفظ ولهذا الرجل المعنى فلم يزل مفزعا للرأي محلا للعظة كثير الأمل والغاشى إلى أن توفى السلطان المذكور غرة شوال من عام خمسة وخمسين وسبعمائة فأخذ البيعة لولده سلطاننا الأسعد أبى عبد اللّه وقام خير قيام بأمره وقد تحكمت التجربة وعلت السن وزادت الخشية من لقاء اللّه الشفقة فلا تسأل عما أفاض من عدل وبذل من مداراة ودامت حاله متصلة على ما ذكر إلى أن لحق ربه وقد علم اللّه انى لم يحملني على تقرير سيرته والإشادة بمنقبته داعية وإنما هو قول بالحق وتسليم لحجة الفضل وعدل في الوصف واللّه عز وجل يقول : ( وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ) . ثم قال عن وفاته : في ليلة الأربعاء الثامن والعشرين من رمضان من عام ستين وسبعمائة طرق منزله بعد فراغه من إحياء ثلث الليل متبذل اللبسة خالص الطوية ممتطيا للأ من مستشعرا للعافية قائما على المسلمين بالكل حاملا للعظيمة وقد بادر الغادرون بسلطانه فكسروا غلقه بعد طول معالجة ودخلوا عليه وقتلوه بين أهله وولده وذهبوا إلى الدائل برأسه وفجعوا الاسلام بالسائس الخصيب المغاضى راكب متن الصبر ومطوق طوق