شكيب أرسلان
13
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
قال ابن الحذّاء : كان أبو محمد هذا شيخا فاضلا ، رفيع القدر ، عالي الذكر ، عالما بالأدب واللغة ومعاني الشعر ، ذاكرا للأخبار ، حسن الايراد لها ، وقورا ، وما رأيت أضبط لكتبه وروايته منه : وقال الخولاني : كان شيخا ذكيا ، حافظا لغويا ، رحل إلى المشرق ، وسمع جلّة العلماء بمكة وبمصر وبالشام ، وأسنّ ونيّف على الثمانين بثلاثة أعوام ، وصحبه الذهن إلى أن مات . قال ابن الحذّاء : ولد سنة 310 ، وتوفى يوم الاثنين لسبع بقين من ذي الحجة سنة 395 ، زاد ابن حيّان : ودفن بمقبرة متعة ، وصلى عليه القاضي أبو العباس بن ذكوان . وكان السلطان قد تخيّر أبا محمد بن أسد هذا لقراءة الكتب الواردة عليه بالفتوح بالمسجد الأعظم بقرطبة ، لفصاحته ، وجهارة صوته ، وحسن ايراده ، فتولى ذلك مدة ، إلى أن ضعف ، وثقل بدنه ، فاستعفى السلطان من ذلك فاعفاه ، ونصب سواه ، فكان يقول : ما ولّيت لبنى أمية قط ولاية غير قراءة كتب الفتوح على المنبر ، فكنت أتحمل الكلفة دون رزق ، ومنذ أعفيت منها كسلت ، وخامرنى ذل العزلة . وكان حاضر الجواب ، حارّ النادرة ، وأخباره كثيرة . وكان يستحسن الاستخارة بالمصحف . وأبو محمد عبد اللّه بن محمد بن نصر بن أبيض بن محبوب بن ثابت الأموي النحوي ، من طليطلة ، سكن قرطبة ، أخذ عن جلّة العلماء ، وكان أديبا حافظا ، نبيلا ، أخذ الناس عنه ، وجمع كتابا في الرد على محمد بن عبد اللّه بن مسرّة ، أكثر فيه من الحديث والشواهد ، وأخذ عنه الصاحبان ابن شنظير وابن ميمون ، وقالا إن مولده في شعبان سنة 329 ، وسكناه بزقاق دحين ، وصلاته بمسجد الأمير هشام بن عبد الرحمن ، وتوفى سنة 399 أو سنة 400 . وأبو محمد عبد اللّه بن أحمد ابن عثمان ، المعروف بابن القشّارى ، من طليطلة ، وخطيب جامعها ، كان ثقة ديّنا ورعا ، قليل التصنع . وكان الغالب عليه الرأي ، وكان مشاورا في الأحكام ، وكان يعقد الوثائق بدون أجرة ، وكان من الشعراء . توفى ليلة السبت لليلتين خلتا من شعبان سنة 417 ، وصلى عليه أبو الطيب بن الحديدى .